يبدو ان الولايات المتحدة لا تتذكر الملف الذي يشكل لب كل صراعات الشرق وهو الملف الفلسطيني الا حين يكون الوقت المناسب قد انقضى، فالإدارات الاميركية المتعاقبة لا تلتفت الى الصراع العربي الاسرائيلي الا حين تكون في مأزق طاحن حيث تبدأ في اسداء الوعود تلو الوعود للعرب بأنهم اذا تعاونوا في اخراج السياسة الخارجية الاميركية من ازمة فان الإدارة ستشرع في ايجاد مناخ ملائم لحل الصراع العربي الاسرائيلي، فما ان تخرج الولايات المتحدة من أزمتها حتى تنسى القضية برمتها.
اذا تمرير خطة اميركية في المنطقة مثل خطة بوش في العراق اقتضت الحديث عن الملف الفلسطيني، وتقرر ان تعود وزيرة الخارجية الاميركية الى المنطقة حاملة افكارالم يفصح عنها، وأخذ كل طرف يضرب أخماسا في أسداس حول فحوى جولتها ، لكن واشنطن بادرت بإخطار الحكومة الاسرائيلية ان جولة رايس الجديدة التي تبدأ اليوم لا تحمل مبادرات جديدة، ذلك في الوقت الذي تحاول فيه الدول العربية الضغط باتجاه البدء في التفاوض حول اتفاق الوضع النهائي لحسم الصراع الاسرائيلي الفلسطيني .
اما الجانب الفلسطيني فيرفض رفضا قاطعا الحديث عن ترتيبات مؤقتة،اذا رغبة واشنطن في تعاون عربي بشأن العراق وايران هو الدافع الاول لزيارة رايس وقد تنتهي كما انتهت الوعود التي صاحبت تحركا مماثلا في بداية التسعينيات حين وعد بوش الأب بحل القضية الفلسطينية اذا تعاون العرب في إخراج العراق من الكويت، وكان له ما أراد ونامت القضية مرة أخرى.
لقد لدغ العرب من ذات الجحر عدة مرات وليس فقط مرة واحدة، ولكن للأسف لم يستوعبوا الدرس بعد حيث يبدو ان المحرك الوحيد للأحداث هو اسرائيل وليس غيرها وفي الاتجاه الذي تريد دون اعتراض من أحد، حتى اللجنة الرباعية للسلام والتي لا يزال الأوروبيون والأميركيون يعتبرونها آلية ملائمة لإحياء عملية السلام تتعثر حتى في عقد اجتماع لها حيث صرح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ان اجتماع اللجنة الذي كان مقررا هذا الشهر قد تم تأجيله لأجل غير مسمى، مما استدعى شعورا بالأسف من جانب السفير الروسي في المنظمة الدولية حيث ان روسيا هي عضو في اللجنة الرباعية ايضا.
حتى الموقف الأوروبي يبدو مهلهلا الى حد خطير فقد شارك الأوروبيون في الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني بطلب مباشر من اسرائيل التي لا تكترث بأية جهود للسلام باعتبار انها لا تعيش الا في مناخ الأزمة ولو انحلت كل أزماتها فستبرز تناقضاتها الداخلية التي قد تؤدي الى تفكك الكيان الاسرائيلي بشكل كامل.
ولذلك فلا نستغرب أن يبادر مسؤولون اسرائيليون بتصنيف فتح على انها اخطر من حماس ، حتى اذا اتفق الجانب العربي على صيغة عمل مشترك بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين يكون الرد الاسرائيلي جاهزا، ذلك الرد الذي يشبه مقولة شارون: لا أحد في الجانب الفلسطيني يصلح للتفاوض وبذلك يكون الخيار العسكري هو الأنسب والأفضل لدى دولة الاحتلال.
وليست جولة رايس وحدها هي الفاقدة للمعالم وللهدف بل ان المؤتمر الذي انعقد في مدريد والمسمى (مدريد + 15) امس وامس الاول ماهو الا اجتماع غير رسمي لا يتضمن أية طروحات او مفاوضات حسب ما اكد المنظمون للاجتماع ولم تكن الجلسات سوى مناسبة لإلقاء الخطب باعتبار ان المؤتمرين هم اعضاء في منظمات مدنية غير رسمية لا تملك حلا او عقدا.
ان المبادرات السلمية تحتاج الى تغيير في عقلية الساسة الاسرائيليين اولا الذين يسعون للبحث عن زعيم دموي في مستوى شارون لاستئناف الحرب ضد العرب وبينهم الآن زعماء مثل ليبرمان الذي يعتبر تعيين وزير عربي في الحكومة الاسرائيلية كارثة تهدد مستقبل (الدولة اليهودية).
لقد اتخمت القضية الفلسطينية بالمؤتمرات والاجتماعات والقرارات والمبادرات ، وهي في حاجة الى خطوة عملية صادقة تؤكد مصداقية اصحاب هذه الفعاليات النظرية التي لا تسمن ولا تغني من جوع وأولهم واشنطن والاتحاد الأوروبي!.