غزت أميركا العراق، على الرغم من تحذير أصدقائها بالمنطقة من عواقب النتائج اللاحقة، ثم إنها لم تستشرهم بخطوات ما بعد الاحتلال، حين سرحت الجيش العراقي وقوات أمنه؛ لتحل بديلاً عنهما المليشيات المتنامية، وهي - أيضاً - بحربها على أفغانستان خلقت فرصاً نادرة لإيران؛ لتكون قوة سياسية إقليمية، وعسكرية، تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأكملت أخطاءها أن تحالفت سورية، وإيران، وحزب الله، في بادرة هي الأولى في نوعها، حيث وحّدتهم العداوات التاريخية التي تسببت بها أميركا، وبجوار قواتها لهم.

من دون شك أن كل ما يجري، بدءاً بالصراع العربي الإسرائيلي، والاقتتال العراقي، هي نتاج لأخطاء السياسة الأميركية، وموضوع إستراتيجية الرئيس بوش، الذي يريدها تغطية لعجزه عن خلق عراق متعاف، ومعارضة أميركية داخلية، يحاول الآن حشد تحالف مصري، سعودي، أردني، ومثل هذا التصور يبدو أكثر مجازفة، حتى ولو سمي التلاقي الإيراني السوري، وكذلك حزب الله حلفاً مضاداً.

فالمنطق يجبرنا أن ندرك أن الارتهان إلى الحروب والتحالفات لن يصل بالمنطقة إلا إلى مزيد من التفكك والخراب، ثم إن تحالفاً تقوده أميركا، المكروهة أصلاً بالمنطقة، يكون أكثر كراهة؛ لأنها لم تبد أي تعاطف مع القضية الفلسطينية، التي هي أساس كل ما جرى ويجري منذ نصف قرن.

الخلاف الإيراني - الأميركي لا يحل بمغامرات ولا بمجازفات سياسية وعسكرية، وإنما بلقاءات دولية وإقليمية، تطرح أبعاد القضايا الشائكة، وتعترف بكل الأخطاء، وهنا يمكن توحيد العراق والابتعاد عن تفكيكه، وتحفظ حقوق إيران، التي يمكن تسويتها بذات الإطار، مع تجنيب لبنان الانزلاق إلى مخاطر مشابهة لما يحدث في العراق.

أما أن يصل التفكير بالرئيس الأميركي، إلى محاولة خلط الأوراق بجر السعودية ومصر والأردن، إلى معارك سياسية، قد تنشأ منها معارك عسكرية، فالعقل يجبرنا على الرفض؛ لأن الدول العربية الثلاث، هي عمق العالم الإسلامي والسني على الخصوص، وأي خطأ في التقدير، قد يخلق حرباً عالمية إسلامية، بين السنة والشيعة، وهو ما يباعد بين تفكيرنا والتفكير الأميركي أياً كانت النتائج.

وإذا اقتنعنا أن الوجود الأميركي هو السبب المباشر لتصاعد الخلافات والحروب، فإن المطلب الأساسي والموضوعي، أن تجتمع المراجع الإسلامية كلها، مع قادتهم في قمة تاريخية، تطرح كل الإشكالات بروح الأمانة والمسؤولية الإسلامية السمحة، التي تُلزم الجميع أن يتداركوا أوضاعهم من دون أي تدخل خارجي، وأن يختاروا الموضوعات التي لها الأولية الضرورية، ويتم ذلك في دولة إسلامية، ليست طرفاً في ما يحدث بالمنطقة، وإلا فإن كل الصياغات والحلول الأجنبية ستبقى تعلي من مصالحها فوق مصالح العالم الإسلامي حتى ولو احترق بكليته.