لقد كان من نتائج الاهتمام بالثروة البشرية، خلال العقود الأربعة الماضية في المرحلة الاتحادية، ازدياد نسبة المتعلمين من الإماراتيين، سواء أكانوا من الذكور أم الإناث، وهي السياسة التي أكدت أن الإنسان هو الذي يخلق الثروة، وهو الذي يستطيع أن يخلق من الأشياء البسيطة معجزات.
كانت البدايات بسيطة جداً، وكانت الطموحات، في المرحلة الأولى خاصة، محدودة أيضاً المهم أن يكون الإماراتي ذا مؤهل علمي، آخذين بعين الاعتبار أن نسبة الأمية كانت مرتفعة جداً ولاسيما في صفوف الإناث التي كانت نسبة الأمية بينهن تقارب 85%، وأن المتطلبات الوظيفية بسيطة، وأن آليات العمل لم تكن تتطلب مهارات عالية، أو قدرات جبارة، فالهم الأول كان منصباً على وضع اللبنات الأولى والأساسية للدولة، والتحول نحو الاتحاد.
في تلك المرحلة المهمة من مراحل الانتقال من العدم إلى الوجود، ومن التشتت إلى الوحدة، كان الوطن هو المهم، وكان الإنسان خطاً فاصلاً بين الحاضر حينذاك والمستقبل، وكان لابد من ترسيخ مفهوم المواطنة، إنها البدايات التي تمثل الانطلاقة الأولى، وقد تم عبورها بيسر وسهولة لأسباب كثيرة، منها: إيمان القيادة بالثروة البشرية، وفي الوقت ذاته إيمان المواطنين بحكمة القيادة .
وساهمت القوى المؤمنة بهذا الوطن في العمل من أجل وطن واحد، ولعبت دوراً مهماً في المحافظة على الوحدة، كهدف للكثير من الشعوب، ألم تكن الوحدة الإيطالية حلماً؟ وكذلك الألمانية والأميركية، ألم يكن حلم تلك الشعوب متمثلاً في القضاء على أسباب التفرقة؟ سواء أكانت تلك الأسباب عائدة للقرون الوسطى أم لعوامل عرقية، أم لاتجاهات إيديولوجية.
إلا أن النظرة للمستقبل كانت الدافع الأساسي لخلق عالم جديد، كما لعب العاملان: الاقتصادي والاجتماعي دوراً مهماً في خلق الدول الحديثة. ولعل تجربة الوحدة في الولايات المتحدة الأميركية في ظل منظومة قيمية جديدة، هي التي خلقت الدولة العظمى في مرحلة خلق نظام سياسي اجتماعي واقتصادي جديد.
وقد آمنت هذه الدولة بمبادئ الثورة الفرنسية، إلا أنها، وفي الوقت نفسه، مارست إنجازات الثورة الصناعية، لكن الاختلال في الموازين الدولية، جعل الخروج من المعادلة الإنسانية أمراً سهلاً وميسوراً، وكانت البداية الأولى للدخول في مرحلة النهاية.
كما كان الحال بالنسبة للطرف الآخر، حين تم الخروج من المنظومة القيمية لإسعاد البشرية إلى مرحلة جديدة تقود فيها الصراعات والانقلابات وتفرض أنظمة حكم وتقوض أخرى، وكم كان الوصول إلى هذا الاختلال أمراً محزناً.
ان ذلك الخلل في المعادلة التاريخية لم يترك أثراً مباشراً في بعض المجتمعات التي حافظت على التوازن بين الشرق والغرب، ولاسيما بعدما ذاقت البشرية محاسن ومساوئ، أو بعبارة أخرى سلبيات الفكر الإنساني، مرحلة هي في أبسط معانيها رمادية اللون، وتقترب من الصورة القاتمة لأرض لم تذق الماء لفترات طويلة، وهي تنتظر المطر، ذلك الشيء الجميل الذي يعيد البهجة للحياة، وفي الوقت ذاته ترفع رايات الحياة الجميلة، أليست الحياة جميلة يا صاح؟
لقد واجهت البشرية خلال القرن الماضي، (والذي يسمى قرن التحديات لأنه خلق آليات جديدة نتيجة للتطور العلمي والتكنولوجي)، تحديات فرضها هذا العصر المتطور بإنجازاته، لم تواجهها على مدار العقود السابقة، ويعتبر القرن العشرون بحق بداية القمة في استخدام الإنسان لعقله ولإمكاناته.
كان قرن التحدي والمواجهة بين تاريخ الإنسانية منذ العصور الأولى وصولاً إلى العصر الجديد، من عصر الأحلام إلى عصر الحقائق، قرن مواجهة الخرافات والأساطير بالعلم والمعرفة، قرن المواجهة بين الخوف والحقيقة، إلا أن العلم يدحض الخرافة دائماً، ومهماً كانت الأسطورة قوية لابد أن تبرز خيوط الفجر لتزيل خوف الإنسان من الظلام، إن عصر النور هو المنتصر دائماً.
في هذه اللحظة من لحظات الغوص في تاريخ الإنسانية الممتد لآلاف السنين، في حلم جميل ممتع، بعيداً عن الواقع الحالي، عصر الإنسان المطحون بين الخيال والواقع، يبرز ذلك السيف القاطع، والحصان الجامح، والنور الساطع، والذي يحرمك من متعة الانغماس في عالم يجمع بين الواقع والخيال، بين مقولات الكاتب الساحر والعظيم شكسبير، وعالم ديكارت الفيلسوف، وابن خلدون، يبرز ذلك الواقع الساطع ويطرح سؤاله الأبدي: ثم ماذا؟ وماذا تريد في بقعة بسيطة من العالم؟
لقد انتهى عالم أفلاطون وأرسطو، وعالم ابن خلدون، وعالم ابن رشد والغزالي وعالم كارل ماركس وإنجلز، ماذا تريد يا صاحبي في القرن الجديد؟
أريد أن أحل مشكلة مئات العاطلين عن العمل في بلادي، البلد الذي أكد الوحدة والتنمية والتقدم، والمشاركة ممكنة في ظل القطب الواحد، وفي ظل الحروب الأهلية في أقدم دول الحضارة، في ظل إنسان يقدم ولاء الطاعة الإنسانية من خلال احترام كبار السن، وذوي النظرة الإنسانية.
ألم أقل لك إننا في مرحلة جديدة، هي التي تؤكد على أن الإنسان هو الثروة الأساسية لأي مجتمع، ومن يراهن على غير ذلك فقد راهن على الحصان الخاسر، وان البقاء لمن يؤمن بأن الحياة تكمن في ذلك الثراء من البشر سواء أكانوا من الكبار أم الأطفال، ويبقى الشباب واسطة العقد، وأداة الفعل.
والإنتاج والتغيير الذي تنجزه الإمارات في مجالات شتى في سباق مع الزمن الذي نعيش فيه، وفي ظل معادلات صعبة أقل ما فيها أنه لا مكان مضمون للمترددين والضعفاء والرافضين للتغيير. وان عالم المستقبل جدير بالذين يتسابقون على الريادة والتقدم.
رئيس وحدة الدراسات «البيان»