تبدأ اليوم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس رسمياً زيارة إلى منطقة الشرق الأوسط فيما تعمدت وضع القضية الفلسطينية في آخر أجندتها وتبرير ذلك باستمرار الاحتقان الداخلي في فلسطين وهو ما يقلص الحظوظ في الدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط، وان كانت رايس محقة نوعاً ما في تصوراتها إلا ان اللوم لا يلقى على أميركا بقدر ما يلقى على الأجنحة المتصارعة التي نست القضية الفلسطينية وسط صراع محتدم على اقتسام السلطة.

واشنطن تحاول الإيحاء بأنها مهتمة بالملف الفلسطيني، وبذلك تقطع الطريق على المبادرات الأخرى العربية منها والأوروبية، فلا توجد أي خطة أميركية أو مبادرة جاهزة لحل القضية، فواشنطن تريد فقط تسكين حلفائها العرب، وضمان دعمهم لإستراتيجيتها الجديدة لانتشالها من المستنقع العراقي. ناهيك عن انحيازها المكشوف للمحتل الإسرائيلي، ودفعها الآخرين إلى تقويض أي جهد مبذول لإطفاء الحريق الفلسطيني، إن لم نقل التحريض لصب مزيد من الزيت على نيران هذا الاقتتال المشبوه.

ونتمنى أن تكون رسالة رايس «الملغومة» باستبعادها أي مبادرة للسلام في الشرق الأوسط في زيارتها المرتقبة للمنطقة، وصلت للعقلاء في فلسطين، لمجرد الاستذكار فقط بأن التعويل على الوصفات الأميركية لا يقل خطورة عن جريمة الاقتتال الداخلي، وبأن انتظار المدد الأميركي بدل الاعتماد على الذات وتوافقاتها الوطنية مشكلة توازي في كارثيتها محاولة الاستئصال التي يمارسها كل طرف فلسطيني ضد الآخر.

فالإدارة الأميركية ستحرص فقط على الحفاظ على خطوط الاتصال بين كل من حكومة أولمرت والرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وتشجيع الخطوات الثنائية والدولية والإقليمية الهادفة إلى محاصرة الحكومة في ظل انغماسها حالياً في المعضلة العراقية التي ستستأثر بجولة رايس بعد أيام قليلة من إعلان بوش إستراتيجيته الجديدة في العراق، ما يجعل من القضية الفلسطينية مسألة «هامشية» لن تسفر عن خطوات جادة.

فالأزمة التي تورط فيها الداخل الفلسطيني ـ أياً كانت هويته وأهدافه ـ هي صناعة إسرائيلية في الأساس بدعم أميركي غير معلن، وإن كانت أدواتها فلسطينية، إذ لا يمكن أن نتصور أن الضغوط التي مورست على السلطة، والحصار الذي أحكم على حماس، وسياسات التجويع والقتل والتشريد التي فرضت على الشعب الأعزل، ستفضي إلى ربيع فلسطيني، ولا إلى أي تفاهمات بين الأشقاء أو انفراج في العلاقة بين السلطة والحكومة، فالوضع الداخلي الفلسطيني الهش سيساعد إسرائيل على ممارستها خطتها دون أي مجابهة فيما تبرر أميركا تهميشها القضية الفلسطينية بالدعوة إلى ضرورة لم الشمل الداخلي قبل الدخول في أية مفاوضات.

المتتبع لمجريات الأمور على الساحة الفلسطينية يدرك أن شرخاً كبيراً وقع، سواء قبل خطاب الرئيس محمود عباس أو رئيس حكومته إسماعيل هنية، ويلاحظ أن الأطراف الفلسطينية وعلى رغم التوصل للتهدئة الداخلية بينها التي يشك كثيرون في إمكان استمرارها، لأن أسباب تجددها لا تزال قائمة.

خاصة أن هناك أطرافاً مازالت تذكيها، بالأخص الطرف الإسرائيلي الذي يجد مصلحته في تعميق الأزمة واستمرار الاقتتال الداخلي وإشعال فتيل نيران الحرب الأهلية بين الفلسطينيين. وعلى رغم ادعاء عدد من المحللين الإسرائيليين أنه لا توجد مصلحة للدولة العبرية باندلاع حرب أهلية فلسطينية، وأن المصلحة الإسرائيلية بين فتح وحماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية، فإن زيادة الهوة تخدم مصالح إسرائيل بطريقة أو بأخرى.

وبالحديث عن إحياء وتطبيق خارطة الطريق. وبين المحور الذي يصر على قيام مجلس الأمن والأمم المتحدة بدور في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد فشل اللجنة الرباعية، وكل الحلول والمبادرات من مؤتمر مدريد إلى خارطة الطريق وما بينهما من حلول انتقالية جزئية جربت جميعها وفشلت تماماً، فالأهم الآن هو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني بأسرع وقت قبل فوات الأوان بالرضوخ كرهاً للخيارات المفروضة من قبل الأميركيين والإسرائيليين.

من أجل ذلك فإن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يجب أن يتم وبسرعة.