في ظل التراشق السياسي المتبادل بين الأطراف اللبنانية والاتهامات الموجهة كل للآخر بتلقي دعم من الخارج لتصعيد تحركاته، طرحت الحكومة اللبنانية برنامجها الاقتصادي لباريس 3 مما أثار موجة احتجاجات واسعة لم ترق إلى مستوى الحراك السياسي للأشهر الأخيرة، إلا أنها شهدت إصدار بيانات عن هيئات اقتصادية متنوعة تمثل الطبقات المتوسطة والفقيرة إلى جانب الصناعيين وبعض الهيئات الاقتصادية الممثلة للتجار بالإضافة إلى اعتصامات قام بها الاتحاد العمالي، وذلك ضد زيادة العبء الضريبي على الاستهلاك خصوصا بعد أن أدت الحرب الأخيرة إلى تدمير العديد من المنشآت والمصانع والى القضاء على مصدر رزق الكثير من اللبنانيين.
من ينظر إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي لباريس 3 الذي طرحته الحكومة اللبنانية لحل الأزمة الاقتصادية مؤخرا والذي جاء على خلفية الهجمة الإسرائيلية الشرسة، يرى مدى انشغال هذه الحكومة في الحصول على مساعدات ودعم دولي للبنان.
وهو ما يؤكد عليه البرنامج أصلا حين يشير إلى أن «دعم المجتمع الدولي جزء أساسي في البرنامج المطروح»، هذا البرنامج الذي جاء منسجما تماما مع التوجهات القديمة الجديدة للمؤسسات المالية الدولية «صندوق النقد الدولي والبنك الدولي» الداعية إلى معالجة الاختلالات في المالية العامة لمواجهة تحديات الدين العام كأحد السبل الرئيسية للحصول على القروض والمساعدات، وهي نفس السياسة التي اتبعتها هذه المؤسسات على مدى سنوات طوال وأدت إلى تدهور أوضاع شرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود وزيادة معدلات الفقر.
وفي حين تؤكد الحكومة على أن هذه الخطة هي مفتاح الحل للأزمة الاقتصادية ومدخل للإنقاذ من الانهيار، تأتي الانتقادات الموجهة لها متعددة ومتشعبة، فهناك جهات ترى أن التركيز كان على مالية الدولة وديونها وهذه ليست إلا جزءا من اقتصاد الدولة في حين تفتقر إلى برنامج للنهوض باقتصاد لبنان وتنميته، إن لناحية دعم تمويل المؤسسات الصغيرة أو للنهوض بالمناخ الاستثماري لعمل القطاع الخاص في ظل حالة التجاذب السياسي الحاد الذي يعصف بالبلاد.
جهات أخرى تأخذ على الدولة استماتتها للحصول على المساعدات والقروض بمراعاة مصالح المتمولين والشركات الخارجية على مصالح مواطني البلد لناحية طرح خصخصة خدماتها دون النظر في خطة واقعية ملموسة لدعم صناعييها وتجارها، ثم هناك جهات تؤكد على أن أي إصلاح للقطاع المالي غير قابل للتنفيذ دون إصلاح النظام السياسي القائم على المحاصصة.
وهناك الهيئات التي تمثل الصناعيين والتجار والطبقات المتوسطة والفقيرة، وهي تعارض زيادة العبء الضريبي للقيمة المضافة التي سيقع وزرها الأكبر على كاهل أصحاب ذوي الدخل المحدود من المستهلكين النهائيين للسلع والذين خسروا وظائفهم ودمرت أعمالهم وينظرون إلى مستقبل قاتم يهدد بتهجيرهم خارج البلاد. ويذكر أن هذه الأجواء التهجيرية التي يشعر بها كل لبناني كانت قد حذرت منها قيادات سياسية ودينية واقتصادية لما تسببه من إفراغ للبلد من شبابه وكفاءاته العلمية.
وبمعزل عما يوجه لهذه الورقة من انتقادات، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل يمكن لأي خطة اقتصادية أن تقام دون النظر في محيطها الإقليمي أو من هم شركاؤها التجاريون المحتملون؟ وفي حين يزداد العبء على المستهلك اللبناني من خلال زيادة القيمة المضافة تشكل السوق السورية سوقا استهلاكية مهمة للعديد من اللبنانيين ذوي الدخل المحدود والذين كان العديد منهم على مدى سنوات يقصد هذه السوق للتبضع.
وفيما تهتم الحكومة اللبنانية بمعالجة مشاكل الدين العام لتقليص ديونها، مع أن هذه الديون لا تشكل إلا جزءا محدودا من خسائر يوم واحد في أسواق الأوراق المالية الخليجية، تلتفت إلى التضامن العربي من خلال طرف ثالث كمفتاح للحل ومدخل للإنقاذ من الانهيار.
الدولة متهمة بإغفال مصالح الصناعيين والتجار في خطتها الاقتصادية فهل لديها برامج للوصول إلى مواقع الاستهلاك المعهودة للزراعة والصناعة اللبنانية وتحسين بيئة الأعمال الخاصة بذلك.
فعلا ما أحوج لبنان في هذه الأثناء إلى التضامن العربي بكل مقوماته. لكن هل منا من يصدق أن هناك جدية لدى الدول العربية لإنجاح التكامل الاقتصادي العربي الذي ما زالت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في عام 2005 باكورة انجازه تتعثر في التطبيق.