الغارات الجوية ضد الأراضي الصومالية التي يشنها الكاوبوي الأميركي بذريعة محاربة ما يسميه الإرهاب كغطاء لتنفيذ أجندته الإستراتيجية في القرن الأفريقي، لا يمكن اعتبارها إلا عملاً عدوانياً إرهابياً ضد مدنيين أبرياء من الصوماليين الفقراء، حتى لو أعلنت الحكومة الانتقالية الصومالية المغلوبة على أمرها أن القتلى الـ 24 بينهم أحد الإرهابيين بالفعل، أو أن هذه الغارات ضد شعبها هي بطلب منها !!
إن هذا العدوان الأثيوبي الأميركي المشترك الجاري ضد الصومال جرى التخطيط له منذ دعوة الرئيس الأميركي إلى اجتماع فوري لسبع دول غربية (لا إفريقية ولا عربية) باسم «لجنة الاتصال الخاصة بالصومال» العربي الإفريقي تلوح بالتدخل بحجة دعم الحكومة الانتقالية الشرعية في مواجهة الشرعية الشعبية لاتحاد المحاكم الإسلامية التي وصفها بدعم الإرهاب!
ولم تقدم للرأى العام حتى الآن الدليل على صدق المزاعم الأميركية بأي إرهاب للمحاكم الإسلامية بل الدلائل على عكس هذه المزاعم التي تعودنا على عدم مصداقيتها هي أكثر وضوحاً. كما لم يتأكد فعلاً أن ضحايا العدوان الأميركي في الأيام الماضية هم فعلاً إرهابيون ارتكبوا جرائم تستحق العدوان بالطائرات الحربية وليسو فقط مسلمين، مع العلم أن كل الصوماليون مسلمين.
المجرم أو الإرهابي لا يثبت الوصف عليه بمجرد الإدعاء ولا يمكن إدانته إلا بثبوت الجريمة بعد محاكمة عادلة وليست باعتقالات وسجون وانتهاك لحقوق الإنسان دون محاكمات على غرار فضائح غوانتانامو أو فظائع أبوغريب.
استهداف الولايات المتحدة للسيطرة على الصومال ذات السواحل الطويلة على المحيط الهندي وخليج عدن مسألة استراتيجية قديمة تعود إلى محاولتها العسكرية الفاشلة المسماة «إعادة الأمل» أواخر عام 1992 وتسبق ما أطلقت عليه «الحرب على الإرهاب» قبل سبتمبر 2001.
وسعي الإدارة الأميركية لاستمرار الحرب الأهلية بين أمراء الحرب والتي تلت سقوط «بري» عام 1991 واستمرت 14 عاماً لتمزيق هذه الدولة العربية الأفريقية التى تشكل رأس «القرن الأفريقي» سعى قديم.
إنه يعود إلى دعمها العسكري لأثيوبيا في حربه الضروس مع الصومال حول إقليم «أوجادين» لإسقاط حكومة « سياد بري» اللا إسلامية واللا أميركية والتي كانت موالية للسوفييت ضمن الحرب الباردة بين موسكوو واشنطن. وهو سعي يسبق العام 1993عام الانسحاب الأميركي المهين فراراً من ضربات المقاومة الصومالية إلى ما قبل ذلك بعشر سنوات مع المخطط الصهيوني الأميركي لتقسيم سبع دول عربية حتى عام 2030 أولها الصومال. بل إن هذا السعي الأميركي تجاه الصومال يسبق ذلك كله إلى العام 1960 مع استقلال الصومال عن الاستعمار الثلاثي الأوروبي وسعي الاستعمار الأحادي الأميركي للسيطرة عليه ضمن سعيه الامبراطوري الجديد لوراثة الامبراطوريات الاستعمارية القديمة.
أما عدوانه الانتقام الحالي المستتر المفضوح ودعمه العسكري لأثيوبيا الغازية لتقوم بحرب ثأرية انتقامية بالوكالة عن أميركا وتنفيذاً لخطتها الإستراتيجية التي ظلت عقدة الصومال تطاردها لمدة 14 عاماً ومنعتها من الاقتراب من أراضي ومياه الصومال بهذا السفور الرعديد، مثلما طاردتها من قبل عقدة «فييتنام». خصوصاً أن أثيوبيا حليف سابق لأميركا في حرب الأوجادين، وبعد أن باتت تخشى من تكرار ما واجهته من اهانة مريرة لذا لجأت بقاذفاتها العملاقة إلى قتل الأفراد لا مقاتلتهم وبأسلوب يلحق الإهانة بجيش دولة عظمى، ومطاردة الرعاة الصوماليين العزل لا مواجهة طائرات مماثلة.
والذي حدث أن «حكومة بيداوا» الانتقالية عندما تابعت أن قوات المحاكم الشرعية حصلت على ولاء المدن الصومالية ولم تبق إلا بيداوا، توهمت في ظل خلافاتهما السياسية أن قوات المحاكم ستواصل هجومها نحوها، فتسرعت باستدعاء قوات أثيوبية بدعم أميركي للتدخل متناسية أن تدخل مثل هذه القوات سيشعل الاقتتال من جديد في ظل الرفض الشعبي لمثل هذا التدخل الأجنبي.
وقبل ساعات من مراجعة الرئيس الأميركي لخطته الجديدة في العراق بعد ثبوت فشل خططه العسكرية السابقة واعترافه بمسؤوليته عن إخفاقات جيشه في الحرب، فاجأتنا القوات الجوية الأميركية الجبارة باعتماد إستراتيجية بوش الشجاعة في الصومال «أضرب واهرب».
والأسلوب الدعائي في عهد إدارة بوش بمحاولتها الفاشلة لوصف أي مسلم يعارض سياستها بأنه إرهابي لم يعد يقنع أحداً من المسلمين ولا من الأميركيين الذين فقدوا الثقة بسياسة بوش الذي ضللهم وضلل العالم معهم.
وهو الذي يقف اليوم وحيداً ومحاصراً بالديمقراطيين الذين يناهضون سياسة الهوس العسكري التي كلفتهم عشرات الآلاف من الضحايا والمصابين والمنتحرين والهاربين من الجنود الأميركيين.. وجلب لبلاده كراهية معظم شعوب العالم. المسلمون الأزهريون المعتدلون في اتحاد المحاكم الصومالية لم يرفضوا سوى التدخل العسكري الأجنبي لبلادهم سواء الأثيوبي أو الأميركي في الصومال الذي قرر بوش وأتباعه الأثيوبيين الحاكمين والصوماليين من أمراء الحرب الوزراء في الحكومة الانتقالية التي باتت تؤيد كل قوة أجنبية توجه ضرباتها للأراضي الصومالية ولمواطنين صوماليين تتحمل مسؤوليتهم هذه الحكومة حتى لو كانوا متهمين.
لكننا نعرف جميعاً أن المشكلة هي أن قرار حكومة الصومال لم يعد في الصومال وانتقل إلى أديس أبابا، وأن قرار حكومة أثيوبيا انتقل من قبل إلى واشنطن.
والأسلوب الذي قرر بوش اتباعه لتبرير غزو الصومال ضد هذه المنظومة الإسلامية المسماة باتحاد المحاكم الصومالية بعد سبتمبر 2001 هو اتهامها بالتطرف وإيواء عناصر «إرهابية» من «القاعدة» ®. واتهامها بمساندة الهجومين على الفندق الإسرائيلي والطائرة الإسرائيلية في «مومباسا».
ومع تصاعد التهديدات الأميركية، قامت القوات الأميركية التي تتخذ من جيبوتي قاعدة لها في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب بالتعاون مع القوات الأثيوبية ببعض المداهمات والغارات على مواقع الاتحاد الإسلامي وتمت مداهمات واغتيالات وخطف لبعض الإسلاميين.
حدث هذا بتعاون وثيق من أمراء الحرب من حكام الكانتونات والمدعومين من الـ «سى آي إيه» الذين دمروا وقسموا البلاد وأشاعوا القتال الأهلي وحصروا الحكومة الانتقالية على مدى عامين في مدينة واحدة هي «بيداوا». لم تتدخل أثيوبيا ولا أميركا لفرض سلطة الحكومة عليهم، ولكن تدخلوا ليس لمنع اتحاد المحاكم الإسلامية من المشاركة مع الحكومة الانتقالية.
في حكومة وحدة وطنية تدخلوا فقط كي تتفكك وحدة الصومال وتتجدد الحرب الأهلية بما سيكون لها من آثار سلبية على الصومال وعلى المنطقة فكان القتال حتمياً وهو الذى سبق أن تابعنا أخباره بين الإسلاميين وأمراء الحرب وانتهى بسيطرة الإسلاميين على الجنوب وعلى العاصمة الرسمية وعلى العاصمة الانتقالية «جوهر».
لتتلقى واشنطن في عهد الرئيس «بوش» هزيمة جديدة لخططها ولحلفائها في الصومال قبل أن تدفع أثيوبيا لتكون «الإكسدام» الأمامي لقواتها الخائفة لغزو الصومال، بعد عقدة هزيمة قواتها المهين في عام 93عندما نزل المارينز على شواطئها في حملة سموها «إعادة الأمل» لكنهم سرعان ما فرو مما أسموه «عش الدبابير» الصومالي، عائدين «بخيبة الأمل» بعد مشاهد سحل جنودهم في شوارع مقديشيو بأيدي المقاومين الصوماليين الذين يوماً سيطردون هؤلاء المعتدين الغزاة المحتلين.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com