واجهت المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي نزاعات متعددة ومتنوعة مع معظم دول الجوار العربي، من أقصى المشرق إلى أبعد حدود التماس في المغرب العربي، وظلت هذه النزاعات المفتعلة غالبا، تتوالد وتتعمق أكثر فأكثر على مدى العقود الماضية، إلى حد لا تكاد توجد دولة في الجوار العربي من أية جهة كانت إلا وقد دخلت في صراع أو نزاع مع دولة عربية أو أكثر.

لكن هذه المنطقة المنكوبة بأهلها كما بالطامعين فيها، تواجه راهنا حالة غير مسبوقة من الاحتراب السياسي والتمزق المذهبي والطائفي والصراعات الإثنية والعرقية التي تهدد كياناتها القائمة بما يشبه حربا أهلية شاملة ومفتوحة النهايات!

فما هي الأسباب والدوافع وراء هذه الصراعات والنزاعات؟ ولماذا في هذه الحقبة بالذات؟

لا شك أن البنية السكانية للمنطقة العربية (في غالبيتها) وما فيها من تنوع عرقي وثقافي وتعدد مذهبي وديني، كلها عوامل قد تدفع نحو الاختلاف والتنازع، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمظالم السياسية التي عانت منها المنطقة طويلا وتزداد ترديا باستمرار.

لكن التعدد العرقي والقومي والتنوع المذهبي والطائفي، كانا على الدوام عامل إثراء ثقافي وحضاري ومثار فخر واعتزاز لكل أبناء المنطقة. أما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فقد تساوى الجميع في معاناتها إذ لم تميز بين عرق ودين أو مذهب وآخر، وبالتالي لم تمثل سببا مباشرا للاحتراب والتنازع وان حدثت بعض الصدامات المحدودة والآنية هنا أو هناك.

فعلى مدى أكثر من ألف وثلاثمائة عام منذ أن فتح المسلمون العرب شمال إفريقيا في أواخر القرن الهجري الأول، لم نسمع عن صراع عرقي بين العرب والبربر كما يحدث اليوم في بعض الدول المغاربية، ولم تشهد العلاقات العربية الإفريقية مثل هذا الصراع على مدى فترة زمنية مقاربة، سواء في شرق القارة أو غربها.

وخلال هذه الحقب المتتالية كان الانسجام قائما بين العرب وغيرهم من الأقوام المجاورة شرقا وشمالا، سواء من دخل الإسلام منهم أو ظل مسالما ومتمسكا بديانته وعقيدته. بل إن الذين دخلوا الإسلام أصبح منهم الملوك والحكام والقادة، حتى إن الأتراك كانوا هم حملة راية الخلافة الإسلامية أكثر من خمسة قرون، بينما كان من غير المسلمين ومن جميع الديانات والأعراق وزراء ومستشارون.

فضلا عن الحضور الواسع والفاعل في مختلف جوانب الحياة الثقافية والاقتصادية في عموم المنطقة وفي عهود سياسية وحقب زمنية متباينة لكن العامل الأهم والأبرز الذي غير مجرى الحياة وحولها في اتجاه معاكس، هو العامل الخارجي المتمثل أساسا في الاستعمار والاحتلال الأجنبي، ثم الاستيطان الصهيوني الذي حول المنطقة كلها إلى ساحة حرب دائمة لا تعرف الهدوء ولا الاستقرار، باعتبار ذلك هدفا دائما لاستمرار السيطرة الأجنبية وانشغال أهل المنطقة بنزاعاتهم البينية عن التصدي للمحتلين والغزاة.

وقد تجسد هذا الهدف بداية في المقولة الاستعمارية «فرق تسد»، ليأتي بعد ذلك المبدأ الصهيوني المتمثل في «شد الأطراف» العربية، والذي تبناه وعمل على تنفيذه القائد الصهيوني المعروف حاييم افيغدور (أو ديفيد بن غوريون كما سمى نفسه لاحقا) أول رئيس وزراء إسرائيلي، وسار على نهجه من جاء بعده من قادتهم ومخططيهم، بل طوروه ووسعوا مجاله.

فقد حدد أرييل شارون، منذ عام 1982، المجال الحيوي لإسرائيل بأنه يشمل «جميع مناطق العالم العربي المتاخمة، علاوة على إيران وتركيا وباكستان وشمال إفريقيا، وحتى زمبابوي وجنوب إفريقيا».

وفي عام 1988 حددت دراسة إسرائيلية بعنوان «إسرائيل على مشارف القرن الــ21» الهدف الأيديولوجي للدولة العبرية بأنه «إحياء الحضارة اليهودية بإعادة بعث الروح الدينية اليهودية في المجتمع الإسرائيلي... مع العمل في ذات الوقت على زرع ونشر عوامل الفرقة والتشتت والتحزب الفكري في البلدان العربية، وبما يؤدي إلى زيادة التطرف الديني والعرقي»!

وقد سبق للزعيم الصهيوني جابوتنسكي أن دعا في ثلاثينيات القرن العشرين إلى «إقامة كومنولث عبري تكون فيه إسرائيل القوة الإقليمية المهيمنة التي تدور في فلكها دويلات عربية ضعيفة مقسمة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية».

لكن أطرافا عربية وغير عربية في المنطقة يبدو أنها ذهبت ابعد من مجرد «شد الأطراف»، بدفع خارجي في الغالب واندفاع ذاتي أحيانا، نحو تمزيق الأعضاء وصولا إلى نثر الأحشاء وبعثرتها!

فهل نسيت المنطقة وسكانها تاريخهم الطويل من التعايش والتكامل والإرث الحضاري المشترك وفقدوا كل مناعة ضد الاحتلال والاحتراب؟ أم أنه ما زالت هناك بقية ممانعة وأمل ينتظر؟!