أثارت قرارات البيت الأبيض الأميركي الأخيرة، والخاصة بفرض عقوبات على مؤسسة «روس ابورون اكسبورت» المصدر الرئيسي للأسلحة والتقنيات العسكرية في روسيا، وعلى مؤسستين لتصميم المعدات والتقنيات العسكرية، حملة من الانتقادات الحادة للسياسة الأميركية، واعتبرت موسكو أن هذه القرارات عملية انتقامية أميركية من روسيا بسبب قيامها ببيع أسلحة لإيران وسوريا وفنزويلا.
وكانت إدارة بوش قد فرضت حظرا جديدا مدته سنتان على التعامل مع ثلاث مؤسسات روسية ـ مؤسسة تصدير الأسلحة الدفاعية «روس اوبورون اكسبورت» ومصنعين ينتجان المعدات العسكرية يقعان في مدينة تولا ومدينة كولومنا ـ بسبب قيامها بتصدير أسلحة إلى سوريا وإيران وفنزويلا.
وتؤكد مصادر رسمية أميركية أن منظومات صواريخ المضادة للدبابات من طرازي «كورنيت» و«ميتيس» التي قامت روسيا بتوريدها للجيش السورى عام 2002 قد عثر عليها فيما بعد في لبنان بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية. وفى هذا السياق أعلنت الولايات المتحدة عن احتجاجها على الاتفاقيات الروسية ـ الفنزويلية العسكرية، والتي حصلت كاراكاس بموجبها على 15 طائرة مروحية روسية، و53 طائرة مروحية من طرازات «مي ـ 17ف5» و«ميـ 35» و«مي ـ 26»، والتي ستخصص للقوات البرية والبحرية والجوية.
إضافة إلى تدريب 196 طيارا وفنيا فنزويليا في المعاهد الروسية، في إطار تنفيذ عقد بيع طائرات «سو ـ 30 م ك 2». وتقدر قيمة عائدات العقود الروسية الموقعة مع فنزويلا بأكثر من 3 مليارات دولار.
واعتبرت وزارة الخارجية الروسية أن قرارات الولايات المتحدة بفرض العقوبات ضد شركات روسية محاولة لنشر وتطبيق قانون أميركي داخلي على الشركات الأجنبية.
وجاء رد الفعل الروسي في تصريحات نائب رئيس مجلس النواب الروسي فلاديمير بيختين، الذي اعتبر أن دوافع القرار الأميركي تتمثل في الخوف من توطد مواقع روسيا في أسواق الأسلحة.
بينما أعرب العديد من السياسيين الروس عن اعتقادهم بأن قرار الحكومة الأميركية بحظر التعامل مع عدد من المؤسسات والشركات الروسية يستهدف إزاحة روسيا من السوق العالمية للتقنيات العسكرية نظرا لقلق أوساط الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة من حدة منافسة التكنولوجيا الروسية.
ويعتبر قرار فرض العقوبات على الشركات الروسية المحاولة الثانية خلال عام 2006 التي تقوم بها الولايات المتحدة لفرض حصار على مؤسسات المجمع الصناعي العسكري الروسي.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية في وقت سابق قد وجهت اتهامات إلى مؤسسة «روس ابورون اكسبورت» وشركة «سوخوي» بالتعاون مع إيران في صيف العام الماضي. وتم رفع العقوبات التي فرضت على شركة «سوخوي» الروسية بعد لقاء الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره الأميركي جورج بوش. أما العقوبات التي فرضت ضد مؤسسة «روس ابورون اكسبورت» فمازالت سارية المفعول.
ومما لاشك فيه أن تقييم الأوساط السياسية الروسية لدوافع القرارات الأميركية صحيحا، خاصة أن سلسلة فرض العقوبات الأميركية ضد الشركات الروسية بدأت من عام 2000، بعد أن اتخذت مؤسسة «روس ابورون اكسبورت» خطوات جادة في توسيع أسواقها، وانسحبت موسكو من اتفاقية (تشرناميردن ـ جور) الخاصة بعدم تزويد إيران بالأسلحة والمعدات العسكرية.
وقد كشف العديد من المحللين الغربيين عن مساعي واشنطن لتحجيم انتشار توزيع منتجات المجمع الصناعي العسكري الروسي في أسواق السلاح العالمية، بعد أن بدأت المؤسسة الروسية في تحديث طائرات «ميغ ـ 29» ومروحيات «مي ـ 17» و«مي ـ 24» التي يمتلكها عدد من بلدان أوروبا الشرقية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
إضافة إلى تعاونها مع شركات أوروبا الغربية على تنفيذ عدد من العقود في بلدان لا تنتمي إلى الناتو، منها الهند وماليزيا، حيث تنفذ عقود لتركيب أجهزة من إنتاج الشركات الغربية في معدات عسكرية سوفيتية وروسية الصنع.كما يعمل مصنعو الأسلحة الروس في تصنيع أنظمة دفاعية جديدة بالتعاون مع شركات انجلترا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا.
ولفت مسؤولون في حلف الناتو إلى أن تحديث أسلحة جيوش بلدان الحلف يتم بقرار من البلدان المعنية لا بقرار قيادة الحلف. ومع ذلك فإن الناتو يجد له مصلحة في تحديث المعدات العسكرية، وتعتبر موسكو هذه العقود أحد أشكال التعاون والمساعدة التي تقدمها لحلف الناتو.
ويتنامى الاعتقاد بتوسع نفوذ التقنيات العسكرية الروسية، وهو ما أكده خبير المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي ايفتاح شابير، حيث أعتبر أن روسيا تستعيد موقعها كأحد أكبر مصدري الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط، مشيرا إلى الاتفاق الروسي ـ الجزائري الخاصة بتوريد طائرات ودبابات ومنظومات للدفاع الجوي للجزائر تبلغ قيمتها 5 ,7 مليارات دولار.
وقال شابير بهذا الصدد: «نرى مثل هذا التوجه في صفقات غير كبيرة مع إيران وسوريا أيضا. ولا تتميز هذه الصفقات من ناحية التوازن الإستراتيجي بأهمية كبيرة، ولكن المهم هو أن روسيا تحملت ضغوط الغرب وتواصل تنفيذ مثل هذه الصفقات». ووصف الخبير الإسرائيلي الصفقة الروسية الجزائرية بأنها إحدى أكبر صفقتين عقدتا في المنطقة في عامي 2005 و2006.
من المعروف أن العقد الموقع بين روسيا والجزائر ينص على تزويد الثانية بمقاتلات «ميغ ـ 29 س م ت» و«سوـ 30 م ك»، وطائرات تدريب مقاتلة من طراز «ياك ـ 130»، ودبابات «تـ 90»، ومنظومات صواريخ مضادة للجو من طراز «س ـ 300 ب م و ـ 2»، مع إمكانية توسيع قائمة الأسلحة والتقنيات العسكرية المصدرة إلى الجزائر.
وحرص شابير على الإشارة إلى استياء إسرائيل من التعاون العسكري مع إيران وسوريا في المجال العسكري التقني. حيث توصلت سوريا للاتفاق مع روسيا بشراء مجموعة كبيرة من صواريخ «كورنيت» المضادة للدبابات، وأنظمة صاروخية حديثة مضادة للطائرات وتحديث الدبابات السوفييتية الصنع التي يمتلكها الجيش السوري، ويقدر إجمالي قيمة العقود الروسية العسكرية لتجهيز الجيش السوري بمختلف أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية 7 ,9 مليارات دولار.
ولا يمكن القول إن العقوبات الأميركية كانت بسبب الاستياء الإسرائيلي من التعاون الروسي العسكري مع البلدان السابقة الذكر فقط، وإنما توسع نشاط مؤسسات المجمع الصناعي العسكري الروسي ليصل إلى أميركا اللاتينية هو من أهم أسباب استياء واشنطن، إذ بلغ حجم مبيعات الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية خلال العام الماضي مليار دولار.
حيث تم تصدير طائرة واحدة من طراز «سو ـ 30م ك2» وخمس طائرات من طراز «سوـ 27س م ت» إلى المكسيك، وتم توقيع عقود لتوريد هليكوبترات «مي ـ 17ف5» و«مي ـ 35م» وناقلات الجنود من طراز «ب ت ر ـ 80» وتجميع المصفحات الروسية مع كولومبيا.
وتفيد البيانات الرسمية أن حجم صادرات روسيا من الأسلحة والمعدات العسكرية يتزايد بمعدلات كبيرة، حيث تجاوز 6 مليارات دولار خلال العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل إلى 3 ,7 مليارات دولار خلال العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن حجم تلك الصادرات تضاعف في السنوات الخمس الأخيرة من 68,2 مليار دولار إلى 1 ,5 مليارات دولار.
وقد أعلن ميخائيل دميتريف مدير الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري التقني أن بلاده تقيم علاقات تعاون في هذا المجال مع 82 بلدا، وانها تجري محادثات حول تطوير التعاون في مجال التصنيع العسكري التقني مع أكثر من 20 بلدا. وأضاف إن علاقات روسيا في مجال التعاون العسكري التقني متقدمة مع الهند والصين، اللتين تصل حصتهما إلى 70% من حجم صادرات روسيا من الأسلحة والتقنيات العسكرية.
ولفت دميتريف إلى اتفاقيات اتحاد شركات الدفاعات الجوية التي بدأ تنفيذها، والخاصة بتوريد طائرات «سو ـ 27 س م» المقاتلة ذات التقنيات المتطورة جدا إلى جانب منظومات الصواريخ العملياتية التكتيكية «اسكندر ـ اي»، وغير ذلك من نماذج الأسلحة والتقنيات العسكرية الحديثة.
وأعلن دميتريف أن روسيا لم تخالف الالتزامات الدولية الخاصة بتجارة التقنيات العسكرية التي تعهدت بها. مؤكدا على التزام بلاده بالأنظمة الدولية للرقابة على صادرات المنتجات التي تستخدم للأغراض العسكرية. وأضاف أن الاتهامات التي توجهها الإدارة الأميركية إلى مؤسسات الصناعات الدفاعية الروسية لا تستند إلى أي أساس.
ولابد من القول إن صراع الأسواق العالمي الذي تواجهه روسيا لا يقتصر فقط على قطاع الطاقة، وإنما توسع ليشمل تجارة الأسلحة والمعدات العسكرية والطاقة الذرية، وإذا كانت ضغوط واشنطن على إيران تستهدف إزاحة روسيا من أسواق تصدير تقنيات إنتاج الطاقة الذرية لاستخدامها في أغراض سلمية، باعتبار أن عقودا أميركية مماثلة مع الهند لم تواجه مثل هذه المصاعب.
فإن حملات فرض العقوبات الأميركية ضد مؤسسات المجمع الصناعي العسكري الروسي تعبر بوضوح عن توسع تسويق المنتجات العسكرية الروسية، وهو ما يهدد المنتجات الأميركية. وتشير توقعات المراقبين إلى أن روسيا يمكن أن تحتل المرتبة الأولى بين الدول المصدرة للمعدات والتقنيات العسكرية خلال السنوات المقبلة في أسواق السلاح العالمية.
كاتبة روسية