يعج العالم الاسلامي هذه السنوات الأخيرة بالجدل حول منزلة الاسلام في تحديد مصير الأمة، وهو جدل قائم تفرضه الأحداث الجسام التي يتعرض لها المسلم في مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديدا من خلال الأزمات القاسية في العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان والشيشان، ما بين سنة وشيعة وما بين حماس وفتح وما بين مسلمين وعنصريين وما بين مواطنين أحرار ومحتلين أشرار.

كما أن الاشكالية مطروحة بصورة أقل عنفا في المجتمعات العربية الباحثة عن توازنها ما بين التمسك بالجذور والانطلاق نحو التقدم والاندماج في العصر.

ومنذ معارك الاستقلال وفي مراحل تأسيس الدولة الحديثة، اصطدم التياران الأبرز في العالم العربي وهما تيار التأصيليين وتيار التحديثيين، فكانت الصدمات بينهما تختلف من بلاد الى أخرى حسب التركيبة الطائفية والتقاليد الثقافية والقرب أو البعد عن الغرب تاريخا وجغرافيا.

ففي مصر وسوريا وبلدان المغرب العربي، حدثت انشقاقات خطيرة بين هؤلاء وأولئك، أدت الى أزمات مختلفة الأبعاد والتداعيات لكنها موحدة الأسباب ومتشابهة المنطلقات. فالاخوان المسلمون في مصر منذ 1928 كانوا طرفا فاعلا في مقاومة الاستعمار كما كان الوفديون والقوميون والأقباط كذلك، لكن استقلال مصر حتى قبل ثورة 23 يوليو52، طرح على المجتمع المصري اشكالية الحداثة والدولة العصرية، فكان لا بد من الصدام منذ اغتيال النقراشي باشا ثم حسن البنا.

ذلك الصدام الذي استمر بأعنف ما كان عليه مع الدولة الناصرية للانتهاء بحادثة المنشية وبتصفية التنظيم وليس بتصفية القضية، في غياب الحوار الضروري واستبداد التطرف على الضفتين.

وفي سوريا، عاش الشاميون نفس السيناريو ببعض الخصوصيات، الى أن حسم الرئيس حافظ الأسد مسلسل العنف والعنف المضاد بعملية حماه، لكن الاشكالية ظلت قائمة في مفاصل المجتمع السوري، مع اذكائها المتعاقب من قبل العدوان الاسرائيلي بما يخدم مصالح القوى العالمية والاقليمية.

وفي المجتمعات المغاربية الثلاث: المغرب والجزائر وتونس وبشكل مختلف في ليبيا وموريتانيا، نقرأ العلاقات بين أنصار الاسلام السياسي ونخبة الدولة الحديثة على ضوء اختلاف جذري في المشروعين، ساهم المحيط الاستراتيجي الاقليمي والأوروبي تحديدا في تحويله الى خلاف مستعر وأحيانا دموي كما حدث في الجزائر.

في المملكة المغربية ولأسباب تتعلق بطبيعة العرش والمجتمع، حصل شبه وفاق لم تتخلله سوى بعض التشنجات الأخيرة بين التيارين، مع بروز ظاهرة الارهاب الاجرامي في حادثة الدار البيضاء. لكن العرش حافظ على خط متوازن أوكل فيه للنخبة التحديثية مسؤولية ادارة السياسة والاقتصاد، وأوكل للنخبة الدينية تأطير التربية والتعليم وصيانة التراث، مع توظيف التيارين لمصلحة استقرار المملكة بلا صدام وبلا تجاوزات على مدى عهد العاهل الحسن الثاني، مما ترك لابنه الملك محمد السادس ميراثا أيسر وأوضح وأقل حدة.

وفي الجزائر، انفجر عام 1989 مناخ السلام المدني الهش المفروض بتقلص جبهة التحرير التي حكمت البلاد منذ 1962 وحصد الاسلاميون السياسيون خيبات الشعب المريرة من عقود الكبت والصوت الواحد وانعدام الحوار، التي كانت ترافقها عمليات تأصيلية ممنهجة تقودها الدولة ذاتها تحت شعار الرجوع للعروبة والاسلام بمشاركة الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، فكان الصدام مبرمجا في جينات التجربة الجزائرية لا مناص منه، والحمد لله أن انقشعت الفتنة بفضل حكمة رجل نزيه هو الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وفي تونس، عايشت كسياسي مخضرم نشأة التيار الاسلامي الفقهي بمبادرة من بورقيبة نفسه، حين تحمس لتأسيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم في أواخر الستينات لضرب التيار الشيوعي الذي توسع في الأوساط الطلابية والنقابية. وكان بورقيبة الليبرالي يرى في الماركسية نقيضا خطيرا للخيارات التونسية التي انحازت دائما للغرب ولزعامة الولايات المتحدة. لكن الشباب الذي تخرج من الزيتونة أو تجول في المشرق العربي خرج من عباءة التيار الفقهي لينخرط في الخطاب السياسي ثم في العمل المباشر انطلاقا من المساجد والكليات والشوارع.

وأفاق الزعيم بورقيبة على ما رآه خطرا محدقا بجميع ما اعتبره مكاسب سياسية واجتماعية حققها هو وحزبه منذ الاستقلال في منأى عن القراءة السلفية للنص المقدس. وكان الخطر حقيقيا حين انفلتت الحركة الاسلامية من اطارها ومن كوادرها وانتقلت مجموعات تنسب نفسها للتيار الاسلامي الى الممارسات الاجرامية، وفوجئت أنا نفسي بوجود اسمي واسم وزير الداخلية آنذاك السيد زين العابدين بن علي واسم صاحب دار الأنوار الاعلامية صلاح الدين العامري في قائمة الملاحقين من قبل بعض العصابات باعتراف واحد من المتهمين كلفوه بالبحث عن بيوتنا نحن الثلاثة، اسمه جلال الجبالي، ونص استجواب هذا المتهم في المحكمة منشور على الصحف اليومية التونسية يوم 6 يوليو1986.

وكانت اليقظة عامة على مخاطر انهيار السلام المدني والاستقرار السياسي اللذين نعمت بهما تونس منذ الاستقلال، وبفضلهما أنجزت تلك البلاد النامية والفاقدة لمصادر الطاقة أكبر المكاسب وحققت أفضل مستوى للعيش على صعيد الاقليم.

وأعتقد أنه حان الوقت للتعاطي العربي مع هذا الخلاف المعطل للتنمية بقراءة المراجعات الجريئة التي يقوم بها الاسلاميون لأساليب مشاركتهم في الحياة العامة واعلان أكثرية من نخبهم التنديد بالعنف بل انخراطهم في مبادئ الدولة المدنية.

وأذكر أني خلال نقاشات كانت لي ولزملائي الجامعيين مع الشيخ يوسف القرضاوي توصلنا الى القناعة بأن الاسلام دين وحضارة وأخلاق وثقافة وأن تقليصه الى مجرد دولة ينفي عنه صبغة القداسة والشمول ليحوله الى ساحة احتراب بين المسلمين وفتنة بين البشر. وهنا لا يسعني الا أن أشد على أيدي مثقفين أصيلين تونسيين مثل د. محمد الطالبي ود.خالد شوكات وأ. مرسل الكسيبي الذين يضيئون ليلنا العربي بشموع جريئة في مجال التفريق بين الدين كرسالة سماوية خالدة وبين الدولة كانجاز مدني بشري. والخلط بينهما هو الانحراف العقيم الذي يقوض المجتمع ويدك أركان الحريات، ويحرم مجتمعاتنا من الأمن والأمان.

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com