على مر العقود اُعتبرت أميركا الجنوبية في فكر واستراتيجية وسياسة القادة الأميركيين الحديقة الخلفية للبيت الأبيض تحت شعار أميركا للأميركيين في ظل سياسة مونرو، الأمر الذي أدى إلى عدة تدخلات في الشئون الداخلية للعديد من دول المنطقة كالإطاحة بالرئيس الشيلي سلفادور أليندي، والهجوم على جزيرة جرينادا ودعم الساندينستا في نيكاراغوا واختطاف رئيس باناما مانويل نورييغا ومحاكمته في تكساس. وسواء في ظل حكم الجمهوريين أو الديمقراطيين فإن البيت الأبيض كان دائما يقف ضد كل فكر أو مبادرة تكون مناقضة أو مخالفة أو متعارضة مع السياسة الأميركية وخاصة إذا تعلق الأمر بالفكر اليساري والفكر الاشتراكي.

وهكذا كان الحال منذ سنة 1959 مع كوبا وحتى يومنا هذا. فالعلاقات الأميركية الكوبية أتسمت بالعداء والصراع والتأزم على مدى نصف قرن من الزمن، حاولت أميركا طوال هذه الفترة تصفية الرئيس كاسترو، والتخلص منه نهائيا وفرض الحصار على الجزيرة في مختلف المجالات. فكوبا التي توجد على مرمى حجر من الولايات المتحدة اُعتبرت منذ مجيء كاسترو إلى الحكم قبلة الاشتراكيين واليساريين في أميركا اللاتينية، الأمر الذي لم يكن يريح البيت الأبيض على الإطلاق.

شهد عام 2006 تصاعد اليسار الجديد في أميركا اللاتينية كرد فعل لانتشار الفقر وغياب العدالة الاجتماعية وفشل البرامج التنموية والاقتصادية في تحقيق أهدافها وفي القضاء على الفقر والجهل والأوبئة والأمراض الاجتماعية. من جهة أخرى ظهرت بعض بوادر التغيير والتحول في كوبا بعد الوعكة الصحية التي تعرض لها الرئيس فيديل كاسترو، والذي ما زال يعاني من تداعياتها. وهكذا أصبحت حديقة البيت الأبيض الخلفية حمراء بدلا من أن تكون خضراء كما يريدها البيت الأبيض وظهرت موجة كاسحة لليسار الجديد بقيادة هوجو شافيز، رئيس فنزويلا، القائد الذي حاولت وما زالت الولايات المتحدة الأميركية تحاول الإطاحة به، وإبعاده عن الحكم بكل الطرق والوسائل والتكاليف.

ففي البرازيل لويس لولا دا سيلفا، رئيس حزب عمالي سابق، يحكم البلاد، وفي بوليفيا وصل موراليس إلى الحكم وهو أقرب المقربين لهوجو شافيز ويعتبر من تلامذة كاسترو. في الشيلي جاءت الاشتراكية ميشال باشليت لتحكم البلاد، وتذُكر الأميركيين أن الإطاحة بأليندي ما زالت في ذاكرة الشعب الشيلي الذي ما زال يتذكر ما فعله بينوشي بالبلاد والعباد. في نيكاراغوا يعود اليسار من جديد، فأورتيغا الذي هُزم في 1990 بضغوط وتدخلات أميركية قاسية وسافرة عاد إلى سدة الحكم في 2006. والمتأمل للخريطة السياسية لأميركا اللاتينية هذه الأيام يلاحظ أن الأيديولوجية الاشتراكية هي السائدة، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، في كل من الأرجنتين، البرازيل، بوليفيا، الشيلي، بيرو، أوروغواي، إكوادور، وفنزويلا.

فمواجهة أميركا والوقوف بالمرصاد أمام سياساتها السافرة في التدخل في الشئون الداخلية لدول أميركا اللاتينية هو القاسم المشترك بين دول المنطقة هذه الأيام. حيث أن نسبة كبيرة من شعوبها ما زالت ترى أن سبب فقرها ومشكلاتها هو الاستغلال والابتزاز الأميركي لثرواتها وخيراتها. والسؤال الذي يطرح نفسه في بداية عام 2007 هو إلى أي مدى تستطيع هذه الموجة الجديدة من اليسار الجديد في أميركا اللاتينية تحسين أوضاع الفقراء والمساكين والمحرومين؟ إلى أي مدى يستطيع رؤساء دول هذه القارة القضاء على البطالة التي يبلغ معدلها في القارة 10%.

والقضاء كذلك على الفساد والرشوة وضعف الإدارة والتسيير، وإلى أي مدى يستطيعون توظيف الثروات المادية والبشرية لخدمة التنمية المستدامة وتوفير شروط الرفاهية والتطور والتقدم والعدالة الاجتماعية. من جهة أخرى يرى بعض النقاد والمحللين أن انتشار اليسار الجديد في أميركا اللاتينية بإمكانه أن يفرز أيديولوجية وسياسة استراتيجية مشتركة تجمع دول المنطقة للاتحاد وتكثيف الجهود المشتركة لمواجهة التحديات العديدة التي أفرزتها العولمة والقطبية الأحادية. فالسياسة القارية المشتركة تساعد على التكامل وتبادل الخبرات والتجارب والاستفادة منها في مواجهة الضغوط الخارجية والتكتلات العالمية والإقليمية.

في ظل هذه الظروف الجديدة نلاحظ أن جزيرة كوبا تمر بظروف مختلفة تماما تتمثل في احتضار فيديل كاسترو، والتفكير في كوبا ما بعد كاسترو. فلمدة ما يقارب الخمسة عقود عاشت كوبا متمسكة بمبادئ الاشتراكية والمواجهة المستمرة والمتنامية للولايات المتحدة الأميركية. فلمدة أزيد من نصف قرن تحدى كاسترو أميركا وتحدى رؤساءها المتعاقبين على الحكم، والذين حاولوا من خلال وكالة المخابرات المركزية، اغتياله والقضاء عليه نهائيا بدون كلل أو ملل، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. كوبا هذه الأيام تحّضر نفسها لمرحلة ما بعد كاسترو بعد أن حكمها هذا الأخير منذ سنة 1959.

فكاسترو كان يعني كوبا وكوبا هي كاسترو فكان هو الرجل الذي يقرر ويحكم ويخطط. الأمور تغيرت بدرجة كبيرة جدا خاصة بعد انهيار جدار برلين وتفتت الاتحاد السوفييتي وظهور معطيات جديدة على الصعيد الدولي في ظل الأحادية القطبية والنظام الدولي الجديد. فالاتحاد السوفييتي أصبح روسيا ومجموعة من الدول المستقلة والثنائية القطبية زالت وأصبحت جزءاً من التاريخ. وحتى الاشتراكية بمفهوم الحرب الباردة انتهت وأصبحت نوعاً آخر يعتمد على البراغماتية والنفعية أكثر من الأيديولوجية والتنظير السياسي.

في ظل احتضار الرئيس كاسترو، يفكر الساسة الكوبيون، ومنهم ماريا كاسترو ابنة راؤول كاسترو شقيق فيديل كاسترو- أن كوبا يجب أن تفكر في تحرير الاقتصاد واعتماد برامج اجتماعية جديدة تتناسب مع المرحلة الحالية ومع التطورات التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين.

وحسب المحللين والمختصين في شئون الجزيرة فإن هناك ثلاث شخصيات مفتاحيه ستتمحور من خلال رؤاها واستراتيجياتها سياسة كوبا ما بعد كاسترو وهم ابنة راؤول كاسترو، شقيق الرئيس فيديل كاسترو، ماريا كاسترو، والسكرتير التنفيذي لمجلس وزراء كوبا كارلوس لاخي، ووزير الثقافة آبل بريتو. كيف ستكون كوبا بعد رحيل الرئيس فيديل كاسترو، الذي حكمها بقبضة من حديد منذ 1959، وكيف ستكون أميركا اللاتينية بعد رحيل أحد أعمدة اليسار والاشتراكية فيها؟ من دون شك الأمور ستكون مختلفة عما كانت عليه في السابق.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة