نعم.. هل حسبها الرئيس بوش ومؤيدوه في الحرب على العراق جيداً هذه المرة قبل إرسال المزيد من القوات إلى هناك؟ أم إن هذا القرار الرئاسي كسابقيه يقوم على نظرية النصر الذي لم يتحقق ولن يتحقق وفق الخبراء العسكريين الأميركيين أنفسهم؟
معطيات الواقع العراقي بتعقيداته المتكاثرة المتشعبة تؤكد أن احتمالات الإخفاق لـ«استراتيجية بوش» الجديدة في العراق أكثر بكثير من احتمالات النجاح، فالعشرون ألف جندي الذين تقرر إرسالهم إلى العراق لن يتمكنوا من إنجاز ما عجز عن إنجازه المئة والخمسون ألف جندي الموجودون هناك منذ أربع سنوات. والمليار دولار التي قرر بوش صرفها في العراق لن تغيّر شيئاً ملموساً في واقع مزرٍ يحتاج إلى عشرات أضعاف هذا المبلغ، ويتطلب قبل المال الإرادة الوطنية، وحسن الأداء، والقرار الحر.
الوضع في العراق الآن كارثي، واستراتيجية بوش، وفق ما ظهر منها، ستكون بمنزلة كارثة على كارثة، والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي، الذي يفقد يومياً منذ بداية الحرب الأميركية العشرات إضافة إلى الجرحى والمعاقين والدمار الشامل والعوز غير المحدود، والأهم من ذلك الفقدان الكامل لمقومات الدولة.
القادة العسكريون الأميركيون الميدانيون، الذين خدموا في العراق، وقادوا العمليات فيه، وعانوا ما عانوا، أعلنوا على الملأ أن القضية معقدة أكثر مما يظن الرئيس، وأنها لا تحل بزيادة عدد القوات حتى لو وصل العدد إلى نصف مليون جندي، وأكدوا أن الأمر يتطلب مراجعة شاملة لأسباب الحرب، والاستعانة بدول الجوار، وخاصة سورية وإيران، لضبط الوضع العراقي.
ومجموعة بيكر ـ هاملتون، التي اعتمدت على تقويمات هؤلاء القادة العسكريين، واستعانت بخبراء محايدين، ودرست الوضع عن كثب، وصلت إلى قناعة تامة بأن الحل لن يكون كما يفكر بوش، وأنه يجب تخفيض عدد القوات وليس زيادته، والاعتماد على سورية وإيران في هذا الشأن. ولكن بوش نأى بنفسه عن هذه التوصيات، كما يبدو، واختار الطريق الآخر.
والمشكلة أن الديمقراطيين الأميركيين الذين فازوا في الانتخابات التشريعية على أساس معارضتهم للحرب في العراق، يعارضون الآن استراتيجية بوش الجديدة في العراق ولكنهم لا يقدمون بديلاً منها، ولم يظهر من تحركهم المعارض سوى إشارة إلى أن بعض زعمائهم في مجلس الشيوخ يدرسون سن تشريع يعارض تصعيد الحرب في العراق. أما على الصعيد النظري الكلامي فقد قالوا الكثير.
العراق ينزف من كل الجهات على مدار الساعة، وعدد ضحاياه تجاوز السبعمئة ألف، أما المهجرون إلى الخارج فبالملايين، وإمكانيات الحياة فيه تكاد تصبح معدومة، ومع ذلك فالرئيس بوش، وهو المسؤول الأول عن كل هذه الكوارث الإنسانية والمادية، يريد أن يجرّب استراتيجية ثبت إخفاقها قبل الإعلان عنها، فإلى أين يريد أن يأخذ العراقيين؟