على وقع حادثة الغوّاصة النووية الأميركية التي اصطدمت الاثنين الماضي بناقلة نفط يابانية في مضيق هرمز وعلى صيت و أهداف الخطة الأميركية الجديدة التي تنبئ ببدء ضخّ مزيد من المارينز في منطقة الخليج العربي بدأ ملفّ العلاقة الأميركية الإيرانية يعود إلى سطح الأحداث من جديد.

ملفّ يرشح بتداعيات الاحتلال الأميركي للعراق والصمت الإيجابي تجاه هذه العملية من طهران من جهة، وهو كذلك ملفّ ينبئ ببدء مرحلة جديدة في العلاقة بين العاصمتين قد تتخذ لها في مرحلة ما ملفّ النووي الإيراني المطروح على المجتمع الدولي ميدانا لعلاقة جديدة قد تنحو باتجاه الاختلاف بعد توافق.

والحقيقة بقطع النظر عن كلّ هذه الأحداث والتداعيات يجدر بإيران أن تعي أن حجم الفعل الذي أتته في الملف العراقي منذ فترة الحصار الأميركي ـ الدولي على العراق إلى حدود مارس 2003 هو فعل ارتكز على التاريخ وأهمل الجغرافيا.. كيف؟

إيران، ظنّت وفق حسابات آلية بحتة أن وقوفها موقف المتفرّج على أفواج المارينز وهم يعبرون مياه الخليج لضرب العراق، سوف يشفع لها عند واشنطن موقفا متسامحا تجاه ملفّها النووي، وفي هذا خطأ استراتيجي واضح.

فقد تبيّن الآن وانطلاقا من الوضع الميداني في العراق، وتحديدا من خلال إدارة إيران ظهرها إلى المقاومة العراقية للاحتلال، أن طهران ضحّت بـ «الاستراتيجيا» مقابل فوز بالجانب التكتيكي ففي هذا الجانب الأخير، يمكن لصاحب الموقف المتناول بالبحث الآن، أي الموقف الإيراني، أن يزهو بهدف آني ومادي ظرفي، يتمثّل في الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدّام، أو بعد ذلك بإعدام الرجل.

لكن إيران لم تفكّر على ما يبدو في تداعيات موقفها الصامت أو الداعم لهكذا خطوة، عندما تكون على أيدي الاحتلال فالجماهير اليوم في أرجاء العالم الإسلامي والوطن العربي إضافة إلى مكوّنات الرأي العام العالمي، لن يكونوا في صفّ إيران في أي هزّة جديدة تشوب علاقاتها بواشنطن لأن القاصي والداني سوف يسائل طهران الانتماء الروحي والانتماء الجغرافي، عن ذاك الموقف الذي لو تحالف مع النظام العراقي ـ رغم العداء التاريخي على غرار ألمانيا وفرنسا ـ لتكسّرت القوّة الاستعمارية الأمريكية على صخرة الاستراتيجيا الإقليمية.

لكن إيران فضّلت على ما يبدو عزفا منفردا قوامه الغيض والتشفّي من عدوّ، هو بكلّ المقاييس لن يمثّل في مشهد التاريخ السياسي الحديث، إلا النزر القليل ممّا يمكن أن يكون عليه العداء الأميركي لطهران ولكلّ المنظومة الإقليمية بأعداء أميركا وحلفائها.

إيران غمرها الشعور بالانتقام فأضاعت الهدف الاستراتيجي. إنّ الولايات المتحدة لم تأت بالجديد حين أقرّت الآن بزيادة عدد قواتها المسلحة (20 ألفا)، فقد كشفت واشنطن وجه سياستها الامبريالية والاستعمارية منذ البداية وقبل أن تغزو العراق بقليل: إنها خطّة الدومينو للإطاحة بالعراق ثم البقية، لن ينجو من مخالبها أحد حتّى أقرب حلفائها وأشدهم رضى على سياستها وذلك كلّما اقتضت مصالحها... مصالح الولايات المتحدة الأميركية.