يجب ان نذكر اولا ان الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها الولايات المتحدة منذ احتلالها العراق هي التي دفعت الى التفكير في صياغة استراتيجية جديدة يفترض ان تكون قادرة على تصحيح تلك الاخطاء بشكل يتيح امكانية اعادة بناء الدولة العراقية على اسس من التوافق والوحدة الوطنية ، ولكن ملامح ما اعلن عنه الرئيس الاميركي جورج بوش لا تدل ابدا على وجود رؤية واضحة لمستقبل العراق على أي حال.

ارسال مزيد من القوات يعني تعزيز الوجود العسكري ، والكلام عن اصلاحات تقوم بها حكومة السيد نوري المالكي هو مجرد تمنيات لا تستند الى الحقائق ، فلو كانت الحكومة العراقية قادرة على مواجهة التحديات لما كانت هناك حاجة لخطة يعدها مساعدو الرئيس بوش على اثر تقرير بيكر - هملتون الذي كشف عمق الازمة التي تواجهها القوات الاميركية في ذلك البلد ، حين تم تجريده من صفات الدولة عندما حل جيشه ودمرت مؤسساته الرسمية بحجة القضاء على نظامه السياسي.

اليوم يجني الرئيس بوش ما صنعت يداه ، وهو في جميع الاحوال لن يكون قادرا على تغيير الامر الواقع في العراق ، اذ سيعتمد على القوة للقضاء على المقاومة ، وان فعل ذلك فانه سيعرض قواته لمزيد من المخاطر في وقت بدأت العيون تتفتح في بلاده على الخسائر المتصاعدة في الارواح ، بينما يرقب الكنغرس الاميركي ذو الاغلبية الديمقراطية حجم الانفاق المالي ، ولعله لن يسكت على ذلك خاصة وهو يرى ادارة الرئيس تتهاوى وحزبه يتراجع بسبب حرب العراق.

وسواء استشيرت الحكومة العراقية بشأن الاستراتيجية ام لم تستشر فلن يكون لذلك أهمية تذكر ، لأن الواقع يدلنا على انه في غياب دولة حقيقية تصبح الحكومة مجرد طرف من اطراف عديدة ، وعندما تكون هناك تدخلات خارجية ، وحين تصبح المليشيات جزءا من نظام يتأرجح بين الطائفية والتناقض الوطني فان المرجعيات لن تكون واضحة بالقدر الذي يجعل الاتفاق مع اي جهة من الجهات حتى لو كانت دولة من الخارج او جماعة من الداخل مفيدا في غياب الاطراف الاخرى التي لا تملك خيارا غير خيار المواجهة والتصدي والتحدي الى ان تضع نفسها على الطاولة طال الزمن ام قصر.

تلك هي الحقيقة التي لا تريد الولايات المتحدة ان تعترف بها ، وتلك هي المشكلة التي يتحسس منها اولئك الذين يظنون بأن العراق في قبضتهم لأنهم في موقع المسؤولية ، ولذلك فان الحل الوحيد يكمن في تجميع ما تم تقسيمه او تفتيته ، واعادة ما جرى تغييبه ، واخراج من لا شرعية لوجوده ، وهذا ينطبق على الذين احتلوا العراق في وضح النهار والذين تسللوا في ظلمة الليل.

المشكلة الآن هي ان الخصوم لا يمكن ان يطرحوا حلولا عادلة ، وبالتالي فان هناك فرصة سانحة لجماعات وطنية عراقية لأخذ زمام المبادرة على ايجاد توافق وطني داخلي من خلال مشاركة جميع الاطراف بلا استثناء ، والمقصود هنا كل من هو موجود بشكل مباشر وغير مباشر على الساحة العراقية ،والذين يعملون في العلن والذين يعملون في الخفاء .

فقد حان وقت الحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها ، وهناك امكانية كبيرة لنجاح مسعى من هذا النوع خاصة وان الجميع يغوصون في مستنقع يتمنون الخروج منه ، واذا كان الرئيس بوش قد وضع استراتيجية من اجل الهروب الى الامام ، فان ذلك لن يخدمه في المدى البعيد ، ولكن على الاخرين ايضا ان يتذكروا بأن حالهم ليس افضل من حال الرئيس الاميركي وانهم ان لم يعملوا على تأمين وحدة وسلامة العراق فسيدفعون ثمن ذلك عاجلا او آجلا.