رغم اعتراف الرئيس الأميركي جورج بوش المتأخر بارتكاب أخطاء أساسية في سياسة إدارته في العراق، إلا أن الحلول التي طرحها بزيادة عدد القوات الأميركية هناك، قد لا تكون الحل الناجع لوضع متفجر ينذر بتقسيم البلد ونشوب حرب أهلية طائفية - عرقية، قد لا تسلم من لظاها دول الجوار الأخرى.
ومع أن الرئيس بوش أعطى الخطوط العامة لاستراتيجيته الجديدة في العراق، والتي تستند بشكل أساس على نشر الأمن بالقوة في المناطق العراقية، خاصة في بغداد، إلا أن الجدول الذي صدر عن البيت الأبيض موضحاً تغير بعض المفاهيم والافتراضات الأميركية التي ثبت خطؤها على الأرض، يعطي مؤشراً واضحاً وأكثر تفصيلاً عما ينوي الرئيس بوش أن يفعله بناء على افتراضات جديدة.
وشملت الافتراضات الخاطئة ثمانية افتراضات ، من بينها أن الإدارة الأميركية كانت تعتقد أن الحوار مع مجموعات المقاومة العراقية سيخفض مستوى العنف، لكن الحوار، في رأي البيت الأبيض، لم يجد نفعاً، وكذلك فإن الإدارة الأميركية كانت تفترض أن بدء العملية السياسية في العراق سيساعد على نزع فتيل العنف فيه، لكن الإدارة تعتقد الآن، أن العملية السياسية وحدها لا يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار، وأن فرض الأمن أمر أساسي.
كما أن الافتراضات شملت الاعتقاد بأن دول الجوار لها مصلحة، في عراق مستقر وموحد، لكن البيت الأبيض يعتقد الآن، أن معظم الدول المجاورة لم تضع ثقلها بما يكفي من أجل مساعدة الاستقرار في العراق. ولعل من أخطر الاستنتاجات ما جاء من أن الإدارة الأميركية كانت تعتقد أن غالبية العراقيين يرون مصلحتهم في بقاء العراق موحداً، لكنها تعتقد الآن، أن هناك مجموعات تعمل على تقسيم العراق من خلال انتهاج برامج طائفية.
مشكلة هذه الاستنتاجات الخاطئة أن الإدارة الأميركية، لم تسع بشكل جاد خلال السنوات الماضية لتثبيتها على الأرض، بل على العكس، كانت السياسة الأميركية الخاطئة في المنطقة هي التي أدت إلى تغيير هذه المفاهيم بالشكل الذي تحدث عنه جدول البيت الأبيض.
فالإدارة الأميركية لم تدخل في حوار جاد مع المقاومة العراقية الوطنية، بل حاولت فرض شروطها - شروط المنتصر - مقابل مكاسب هزيلة لا ترقى إلى ما تطالب به المقاومة من استقلال وسيادة العراق. ودول الجوار لم تر من الولايات المتحدة سوى التهديد والوعيد والإملاءات، ولذلك اتخذت إجراءات من طرف واحد بما يخدم أمنها الوطني، بسبب غياب محاور أميركي حقيقي.
أما الشعب العراقي فهو لا يزال يؤمن بوحدة العراق، لكن المجموعات الطائفية التي ساعد الاحتلال الأميركي على نموها وازدهارها هي التي تحاول فرض أمر واقع على العراق يجعل من تقسيمه أفضل الحلول السيئة في النهاية.
ثم من يضمن أن الاستنتاجات الجديدة للبيت الأبيض، صحيحة هي الأخرى؟ فمحاولة تطبيقها على الأرض دون دراسة وافية، لا تعني تصحيح الأخطاء، لكنها ستصعدها إلى درجة أكبر، وقد تؤدي إلى مالا تحمد عقباه لجميع دول المنطقة، إذا تفاقمت الأمور بشكل أكبر.
ربما كان على بوش أن يأخذ تقرير بيكر-هاملتون بعين الاعتبار عندما وضع استراتيجيته الجديدة التي يبدو أنها تلقى معارضة واسعة داخل المجتمع الأميركي، بدلاً من انتهاج خط يكتنف الغموض النتائج التي سيحققها هذا النهج، ومتى يمكن تحقيق ذلك.