عندما نقرأ خبراً عن قتل شاب مواطن في العقد الثاني من عمره على إثر طعنة من مواطن لا يكبره بكثير في العمر بعد مشاجرة كلامية، فذلك خبر لا بد أن نتوقف عنده، ليس برفع الحاجبين والاكتفاء بالاستنكار والاستغراب فحسب، بل بالبحث بعمق في حادثة قضّت مضاجعنا كأولياء أمور لا نتقبل قضايا من هذا النوع في مجتمعنا، وأصبحنا نتوقع وقوع أحداث الجريمة ذاتها لأبنائنا.

وعندما نعلم أن الشريك في هذه الجريمة طفل ساعد القاتل بسكين طُعن بها المتوفى بعد أن اشتراها من محل البقالة القريب من موقع المشاجرة، فلا بد أيضاً أن نفطن إلى أن هذه السكاكين التي تمتلئ بها أدراج مطابخنا وأرفف المحال التجارية قد تصبح أداة يعبث بها الطائشون لإنهاء حياة الغير دون وعي ولا تفكير ودون تحمل مسؤولية، بدليل أن ما أقدم عليه الجاني حسبما قرأنا لم يكن للمرة الأولى، بل إنه قد أقدم على أمر مشابه له في العام قبل الماضي عندما وجه طعنته لشخص آخر أصيب على إثرها بجروح بالغة لكنه لم يتوفَ، وكأن عقوبة الحبس والكفالة المالية لم تكن رادعة للجاني.

نتساءل: أي دوافع تلك التي دفعت الجاني للقتل؟ وأي غضب يعتمل صدره منح سكينه القوة لتقتل؟ وأي عنف هذا الذي أضاع لغة الحوار بين الشباب حتى أصبحوا قنابل موقوتة نخشى انفجارها في أي لحظة وعلى أتفه الأسباب؟ هل نشعر بالأمان ونحن نمنح أبناءنا مساحة من الحرية في ذهابهم وإيابهم ونحن نقرأ ونسمع بقضايا من هذا النوع؟ هل نأمن على أبنائنا، فيما لو أحسنا تربيتهم وتوجيههم، شر غيرهم ممن قد يوجهون إليهم طلقات أو طعنات تودي بحياتهم؟ هل نتوقع عودتهم إلينا سالمين بعد كل نشاط يقضونه بعيداً عن أعيننا إذا كان العنف قد بدأ يستشري بيننا؟ كيف يمكننا استرجاع الأمان الذي جبل عليه هذا المجتمع؟ كيف نردع شباباً عن عنف أصبح قاتلاً ومروعاً في مجتمع لم يعتد على مناظر الدماء في شوارعه وطرقاته؟

حادثة الطعن هذه ليست الأولى، وفي كل مرة نتوقع أن تكون الحادثة التي نسمع بها أو نقرأ عنها الأخيرة، لكن توقعاتنا وأمنياتنا تبوء بالفشل في اللحظة التي يتوارد إلينا فيها خبر عن جريمة جديدة. إن هذه الحادثة وغيرها من الحوادث لا بد ان تحلل ويبحث عن الأسباب التي أدت إليها، لنحاول الحد منها على الأقل. فإذا كان شقيق الجاني قد ساعد بصورة غير مباشرة في جريمة القتل، فالبائع أيضاً الذي باع السكين ولم يتوقع ما سيحدث.

وربما نحن كأمهات أيضاً نساهم غداً في وقوع جريمة مشابهة بما تحمل مطابخنا ومنازلنا من أدوات قد تصبح أدوات قتل. الحل ليس في أدوات القتل المستخدمة، وليس في حبس وخروج بكفالة للجناة، بل بأمور أكثر فعالية يدركها رجال الأمن والمؤسسات المعنية التي لا بد وأن تضافر جهودها لتقف على أسباب العنف الذي أصبح يتزايد بين الشباب فتضع حلولاً له وعقوبات تقضي عليه في مهده دون الاكتفاء بالغضب والاستنكار، فما نهمله اليوم وهو في بدايته، نعجز عن وضع حد له غداً عندما يكبر ويستشري في مجتمعنا.

maysaghadeer@yahoo.com