على الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أن الرئيس الأميركي استغرق وقتاً أطول مما ينبغي في التمحيص المؤلم للخيارات المطروحة حيال مواصلته لمغامراته الخاطئة في العراق، إلا أن هناك أدلة محدودة على أنه قد اكتشف طريقاً جديداً يكفل المضي قدماً إلى الأمام.

ويشيع في قاعات البنتاغون وداخل المؤسسات الرسمية في واشنطن أن صانع القرار الأميركي سيختار نوعاً من التعديل المؤقت في أعداد القوات الأميركية المكلفة حالياً بخوض غمار حرب دون نهاية وبلا هدف. هل يعتقد أحد حقاً بمن في ذلك الرئيس الأميركي أن عشرة آلاف جندي آخر أو حتى ثلاثين ألف جندي آخر بالإضافة إلى المئة وأربعين ألف جندي في العراق سيجعلون بغداد أكثر أمناً بشكل من الأشكال، أو يكتسحون المسلحين السنة الذين يسيطرون على الجانب الأعظم من محافظة الأنبار؟

اذ ليس طريقاً جديداً يكفل المضي قدماً إلى الأمام وليس وصفة لانتصار يبدو أن المهندس اليائس لحرب باهظة الكلفة ولا ضرورة لها يعتقد أنها في انتظاره لينقذ بها تراثه. إنه ليس إلا استمرارية لهرب جورج دبليو بوش العاجل من الواقع.

إن فكرة مثل هذا التعديل الصغير لا تلبي حتى الاقتراحات التي تقدم بها المستشاران الخارجيان الوحيدان اللذان روجا لفكرة إرسال أعداد تصل إلى 50 ألف جندي أميركي إضافي إلى العراق لمدة عام ونصف العام على الأقل، وهما المفكر المحافظ الجديد فريد كاجان والجنرال المتقاعد جاك كين. ولا تقترب من المئة ألف جندي إضافي الذين دعا إلى إرسالهم السناتور الجمهوري جون ماكين، الذي يأمل في أن يكون مرشح حزبه لخوض السباق الرئاسي في 2008، كما أنه لا يرضي أغلبية الأميركيين الذين لم يعودوا يثقون في إدارة بوش للحرب في العراق أو الناخبين المناظرين في تفكيرهم الذين سلموا الكونغرس إلى الديمقراطيين في الانتخابات التي أجريت في نوفمبر الماضي.

ما الذي يفكر فيه الرئيس الأميركي حقاً؟

الاعتقاد الشائع هو أنه سيطل عبر شاشات الشبكات الوطنية الأميركية ويروج لفكرة التضحية من أجل الصالح الوطني والنصر في العراق باعتباره مهماً بشكل ما للحرب العالمية على الإرهاب. ويضيف المزيد من الأكثر اتفاقاً مع الخط الذي يتبناه البيت الأبيض، أي القول: حاربوا الإرهابيين هناك خير لكم من أن تحاربوهم في شوارع نيويورك وواشنطن العاصمة، ويضيف المزيد مما كان حرياً بالراحل هاري ترومان أن يصفه بالهراء الحقيقي.

والقادة العسكريون الأميركيون الذين أبلغوا، منذ شهر أو نحو ذلك، الكونغرس والرأي العام أنه ليست هناك حاجة إلى المزيد من القوات الأميركية في العراق، وأن الأميركيين في حقيقة الأمر سيرفعون الضغط عن الحكومة العراقية الضعيفة لكي تتخذ القرارات الصعبة، هؤلاء القادة يجري إحلال غيرهم محلهم.

تقاعد الجنرال جون أبي زيد قائد القوة المركزية الأميركية قبل الوقت المقرر له ويحل محله الأدميرال وليام فالون رئيس قيادة المحيط الهادي الأميركية. وسيتم إحلال قائد آخر في الوقت نفسه محل جنرال جورج كيسي القائد الأميركي في العراق.

ولن تحظى توصيات لجنة بيكر المتعلقة بمبادرة دبلوماسية أميركية والاستعدادات لسحب القوات الأميركية من العراق إلا بتعقيب لفظي من جانب الرئيس الأميركي لدى حديثه.

وسيتم تجاهل جهود أعضاء اللجنة التي استغرقت شهوراً، وهي هدية من جورج بوش الأب قصد بها أن تقدم لابنه نوعاً من الغطاء لتراجع استراتيجي عن الكارثة التي أوجدها في الشرق الأوسط. سيتم تجاهلها باعتبارها حقيقة غير مناسبة.

أما من قدموا أقصى قدر من التضحيات، أي رجال الجيش الأميركي والعناصر البرية في القوات البحرية وعائلاتهم، فسوف يطلب منهم مواصلة حمل العبء ودفع ثمن أكثر ارتفاعاً في صورة القتلى والجرحى لتصلب رئيس وغروره.

إن القوات التي ستقوم بالتعديل المؤقت في القوات الأميركية في العراق هي نفسها التي دفعت الثمن مراراً وتكراراً، وسيتم العثور عليها بمناورة أقرب إلى خفة اليد، حيث سيتم إرسال وحدات سبق لها المضي إلى العراق بالعودة إلى هناك في وقت أكثر تبكيراً مما كان مقرراً.

وهذا لا يرقى حتى إلى مستوى السرقة من «س» للدفع إلى «ص»، فهو لا يعدو أن يكون سرقة من «س» للدفع له.

إن جورج دبليو بوش يعتقد أن بمقدوره شراء عامين آخرين من الجمود العنيف، لكي يستطيع تسليم الكارثة إلى من سيحل محله في البيت الأبيض في 20 يناير 2009 كائناً من كان.

كم من الأميركيين والعراقيين ينبغي أن يلقوا حتفهم لضمان أن كلمات بوش الوداعية فيما هو يتراجع إلى كروفورد في تكساس ستكون: لقد وقفت صامداً وحافظت على أميركا آمنة.

إن المشكلة في هذا السيناريو هي أنه شأن كل السيناريوهات الأخرى التي وضعها جورج بوش وديك تشيني وردية أكثر من اللازم. والطريق المفضي إلى الأمام في العراق هو طريق لولبي نحو مستقبل أكثر دموية والقرارات الحقيقية هي قرارات العراقيين وليست قرارات جورج بوش.

إن ما تقدمه أيها الرئيس، متأخر للغاية وبالغ الضآلة.

خدمة لوس انجلوس تايمز خاص لـ «البيان»