ذهب الصقر دونالد رامسفيلد استقالة أو إقالة فتنفس كثيرون الصعداء ودبج كثيرون مقالات وتحليلات عن الهزيمة والتغيير الجذري في العراق والنهاية المأساوية للمشروع الأميركي ومرة ثانية وثالثة وعاشرة تظهر على خطابنا التحليلي العربي أعراض «التفكير بالتمني»، غير أن روبرت جيتس الذي صوره هذا الخطاب عمليا براجماتيا سيشرع فورا في الإعداد للانسحاب الأميركي من العراق تكلم فإذا به يتكلم بلسان دونالد رامسفيلد منذرا الحلفاء والخصوم على السواء ومؤكدا العزم على البقاء طويلا ومبشرا بنقل مزيد من الجنود للعراق، ثم وضع جورج بوش توقيعه على اللوحة الجديدة للإدارة الأميركية رافضاً توصيات تقرير بيكر هاميلتون وداعيا لزيادة حجم الجيش الأميركي!
والمسافة بين ما يحدث من تغيرات في الموقف الأميركي فعليا وبين صورته في الخطاب العربي هي المسافة بين إدراك الظواهر كما هي وإدراكها عبر صور ذهنية لا عبر قراءة الواقع كما هو، ولا حاجة بنا هنا لتأكيد أن قراءة الواقع شيء والاستسلام له شيء آخر، بالضبط كما أن رفض الواقع شيء وإنكاره شيء آخر. فالنجاح الذي أحرزه الديموقراطيون في الانتخابات الأخيرة تم تصويره كتحول جذري في السياسة الخارجية الأميركية رغم أن جورج بوش ما زال في البيت الأبيض ولديه صلاحيات رئاسية غير قليلة يمكنه باستخدامها الاستمرار في السير في الطريق الذي اختاره حتى نهاية مدة حكمه، فالتحول هو فعليا تحول في الوسائل لا في الأهداف.
ولنتذكر هنا أن ما يسمى «قانون تحرير العراق» الذي كان أول خطوة عملية لتغيير النظام العراقي بالقوة صدر في العام 1998 عندما كان الجالس في البيت الأبيض الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون وأن «ثعلب الصحراء» العملية العسكرية الأكبر ضد النظام العراقي منذ حرب تحرير الكويت حدثت في العام نفسه.
وبطبيعة الحال فإن بلدا في حجم الولايات المتحدة الأميركية يمكن لمن يشاء أن يجد فيها ما يشاء من شواهد لتعزيز وجهة نظر مسبقة ينحاز إليها ويريد دعمها بالأدلة، فهناك يساريون معارضون بشدة للحرب على العراق وعلمانيون يزعجهم الخطاب المتدين للرئيس بوش وبراجماتيون يرفضون أن يكون للولايات المتحدة الأميركية أي دور في نشر الديمقراطية في الخارج، وعنصريون يرون العرب - كل العرب - لا يستحقون الديمقراطية وجماعات ضغط نافذة ترى الديمقراطية في العالم العربي تهديدا لإسرائيل وأصحاب مصالح ونفوذ يريدون الدولارات ولا شيء غير الدولارات ويعارضون كل ما يهدد حرية انتقال البضائع والرساميل، وهناك كل ألوان الطيف وكل أشكال الخطاب، وهنا تأتي قدرة المحلل على الاختيار والتقدير الموضوعي الأمين للوزن النسبي لكل تيار وكل جماعة.
وتصريحات الوزير روبرت غيتس الصادمة جزء من مشهد عام أعقب المعركة الانتخابية فقبل أيام من هذه التصريحات قالت كوندوليزا رايس إنها ترفض توصية مجموعة دراسة العراق الداعية لطلب مساعدة سورية وإيران في العراق وقالت إنها لا تريد أن يكون التخلي عن السيادة اللبنانية إلى سوريا أو السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي كثمن للسلام في العراق، وأنه لن يكون هناك تراجع عن حملة الإدارة لتشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط، وهو هدف مجموعة دراسة العراق (لجنة بيكر ـ هاميلتون) في تقريرها الأسبوع الماضي.
وأصرت على أن هذه المسألة «مسألة مصلحة استراتيجية» فبوش لن يغير بصورة جذرية أيا من أهدافه أو التزاماته البعيدة المدى في العراق والشرق الأوسط تجري إعادة ترتيبه بطرق توفر للولايات المتحدة فرصا جديدة، وهو ما سمته مرارا وتكرارا «سياقا استراتيجيا جديدا»، وهي لم تنكر أن أميركا لم تسع إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط قبل ذلك «أنا أستوعب ذلك النقد». وفي تعبير لا يخلو من طرافة قالت رايس «استعدوا. نحن ذاهبون إلى الشرق الأوسط كثيرا».!
وجاء روبرت جيتس بعد أيام من تصريحات رايس ليبدد تفاؤلا عربيا بقرب إعلان قرار أميركي بالانسحاب من العراق غير أن أول ما صدر عن جتيس كان صادما عندما قال إن جيران العراق يجب أن «يفهموا جيدا أننا سنبقى طويلا في الخليج». وبدلا من الحديث عن انسحاب تام أو جزئي طرح للمرة الأولى إرسال المزيد من الجنود إلى العراق، وتلت ذلك تصريحات لرايس تؤكد فيها أن «التضحيات» البشرية والمالية «استثمار جيد».
وفي حقيقة الأمر فإن الإدارة الأميركية يدفعها لهذا الموقف اعتبارات عديدة أولها أن المنطقة في مرحلة تحول يمكن أن تفضي إلى فوضى دموية وهناك أطراف في النظام الرسمي العربي عارضت الغزو الأميركي للعراق بشدة لكنها تعلن الآن أن الانسحاب دون تحقيق الاستقرار سيؤدي لنتائج كارثية. من ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة تعتبر كسر إرادتها خطا أحمر وهو أمر مفهوم بالنسبة لدولة عظمى تحقق بمهابتها ما لا تحقق بالاستخدام المباشر للقوة العسكرية والتفريط في هذه المهابة ستكون له نتائج تتجاوز الملف العراقي.
وإذا كان من لوم يوجه لطرف عن هذا الوضع الذي آلت إليه الأمور فهو للنظام الرسمي العربي الذي لم يقم حتى الآن بدور في الملف العراقي يتناسب مع أهميته وما زال الدور الأميركي يمسك بخيوط اللعبة السياسية كلاعب وحيد بين فرقاء كلهم يشعرون بالحاجة إلى استمرار الوجود العسكري الأميركي وهو ما يعكسه بأقصى درجات الوضوح الانزعاج الكردي الشديد من مجرد الحديث عن انسحاب أميركي.
كل شيء إذن كما هو على الأقل في خطوطه العريضة التي يملك تحديدها في المقام الأول الرئيس الأميركي والأغلبية المريحة التي دعمته خلال السنوات الست المنصرمة من حكمه لم تعد بالأهمية نفسها وبخاصة أن بعض الديمقراطيين الذين دخلوا الكونغرس بمجلسيه يرفضون انسحابا أميركيا قبل «إنجاز المهمة» صحيح أنهم يفضلون تركيزا أكبر على دور الراعي واهتماما أكبر بإعادة الإعمار لكنهم في النهاية يدركون أن الاستقرار في العراق.
وبالتالي في الشرق الأوسط أساسي للمصالح الاستراتيجية الأميركية وقد تكلم روبرت جيتس بمنطق يعكس هذا الإدراك، وما لم يتبلور موقف عربي أكثر إيجابية تجاه ما يحدث في العراق فسوف يبقى الوجود الأميركي فيه حاجة ملحة لخصوم أميركا وحلفائها على السواء، وهذه هي الورقة الأقوى في يد صانع القرار الأميركي، والمحتوى واحد سواء كان مذيلا بتوقيع رامسفيلد أو جيتس!
كاتب مصري