بداية هذا العام الجديد 2007 يحلو للمرء أن يطرح هذا السؤال: ما هي القوى الكبرى التي يتوقف عليها مصير البشرية؟ وما موقعنا، نحن العرب، على خارطة العالم المعاصر؟ بالطبع فإن القوة العظمى الأولى هي الولايات المتحدة الأميركية. فالخبراء يقولون بأنه لا منافس لها على المدى المنظور. فتفوقها ساحق سياسياً، وعسكرياً، وعلمياً، وثقافياً، واستراتيجياً.
ولكي نعطي فكرة عن هذا التفوق يكفي أن نقول بأن ميزانية الدفاع للدول الكبرى الأخرى كلها (أي انجلترا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، وروسيا، والصين) لا تساوي إلا ستين بالمائة من ميزانية الدفاع الأميركية التي تبلغ رقماً خيالياً: أربعمائة وخمسين مليار دولار!
وهذه القوة العسكرية ناتجة إلى حد ما عن القوة الاقتصادية لأن ثروة أميركا تعادل ثلث ثروات العالم كله مجتمعة. فإذا كان العالم يحوي ستة مليارات شخص فإن خمسة بالمائة فقط من سكانه يأخذون ثلث الثروة والباقي للخمسة وتسعين بالمائة الآخرين. والدولار هو العملة الوحيدة السائدة كونياً على مستوى العالم كله. وأما من الناحية العلمية فإن جوائز نوبل في الفيزياء والطب والفلك والذرة والفضاء، الخ... تذهب بنسبة سبعين بالمائة إلى الباحثين الأميركان، وأما الباقي أي ثلاثين بالمائة فيذهب إلى دول العالم الأخرى كبيرها وصغيرها.
ومن الناحية الثقافية أصبحت اللغة الإنجليزية هي لغة العالم كله تقريباً، إنها لغة البرمجة المعلوماتية. وقل الأمر ذاته عن السينما الأميركية والمسلسلات التلفزيونية.. وأما عن تفوق الجامعات الأميركية وجذبها لكبار العقول في العالم فحدث ولا حرج...
ولكن هذه القوة الجبروتية لأميركا على كافة الأصعدة والمستويات لا يعني أنها خالية من نقاط الضعف أو أنها تتمتع بقوة لا نهائية ولا محدودة. ولا يعني أنه لا يوجد غيرها على سطح الأرض. فالواقع أن هناك مجمعات أو دولا أخرى تنافسها هي التالية: الاتحاد الأوروبي، روسيا، اليابان، الصين، وربما الهند. وهذه هي القوى التي يتوقع الخبراء أن تزداد قوتها بمرور الزمن لكي تشكل منافساً حقيقيا يؤدي إلى تحجيم قوة أميركا ومنعها من الاستفراد بالقرار العالمي مستقبلاً. بمعنى آخر فإننا سننتقل بعد فترة قريبة إلى عالم متعدد الأقطاب لا أحادي الأقطاب كما هو سائد اليوم.
فيما يخص الاتحاد الأوروبي يلاحظ الخبراء أن قوته الاقتصادية أصبحت موازية أو معادلة للقوة الاقتصادية الأميركية. وبالتالي فلا توجد قوة اقتصادية أخرى على وجه العالم تستطيع أن تقف في وجه أميركا إلا الكتلة الأوروبية.
ولكن مشكلة أوروبا هي أن وحدتها السياسية وبالأخص العسكرية ليست بمستوى وحدتها الاقتصادية الاندماجية فعلاً. ولهذا السبب فإن أوروبا لا تمتلك إرادة سياسية واحدة وقادرة على أن تضغط على مصير العالم مثلما تفعل أميركا. بهذا المعنى فإنها عملاق اقتصادي و لكنها قزم سياسي أو عسكري.
وأما فيما يخص روسيا فإن نقطة قوتها معاكسة لنقطة قوة الاتحاد الأوروبي، وكذلك نقطة ضعفها. فعلى الصعيد العسكري تبدو روسيا بمثابة القوة الضاربة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولكن قوتها الاقتصادية لا تزال ضعيفة جداً بالقياس إلى قوتها العسكرية والدبلوماسية. نقول ذلك على الرغم من أن روسيا تمتلك مساحة شاسعة واسعة وموارد طبيعية ضخمة. فهي الدولة البترولية الثانية في العالم بعد المملكة العربية السعودية: تسعة ملايين برميل في اليوم. وهي المنتج الأول للغاز الطبيعي قبل إيران وقطر... ولكن مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ضخمة بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي والانتقال من مرحلة الاقتصاد الشيوعي الموجه إلى مرحلة الاقتصاد والليبرالي الرأسمالي الحر.
وأما فيما يخص اليابان فيمكن القول إنها أغنى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. فثروتها تبلغ أربعين بالمائة من ثروة أميركا ومرتين تقريباً ثروة ألمانيا ومرتين ونصف ثروة فرنسا. نقصد بالثروة هنا المدخول السنوي العام. ولم يكن لها حتى أمد قريب إلا أهمية اقتصادية وتكنولوجية. ولكنها أصبحت تطمح الآن إلى لعب دور سياسي ودبلوماسي واستراتيجي. وهي مرشحة الآن لمرتبة عضو دائم في مجلس الأمن. ولكن طموحاتها الإستراتيجية والعالمية تصطدم بمطامح الصين مباشرة. وأميركا تلعب على هذا التنافس لإضعاف القوة الصينية الصاعدة وربما لإضعاف اليابان ذاتها ومنعها من التحرر أو الإفلات من قبضتها..
وهكذا نكون قد وصلنا إلى الصين التي يتوقع لها الخبراء أن تكون المنافس الأكبر للولايات المتحدة على الصعيد العالمي. ولكن ذلك لن يحصل فعلاً قبل ربع قرن أو أكثر بحسب تقديرات الخبراء. عندئذ سوف تصبح الصين معادلاً لأميركا وسوف تهدد نفوذها وهيمنتها العالمية لأول مرة. نقول ذلك بشرط أن تستمر الصين على صعودها الحالي المدهش اقتصادياً، وتكنولوجياً، وعسكرياً، وفضائياً... ولكن الصين حتى الآن لا تبلغ إلا المرتبة السابعة من حيث القوة الاقتصادية العالمية. وبالتالي فهي تجيء بعد أميركا واليابان وألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، بل وحتى إيطاليا. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الهند التي قد تصبح القوة الآسيوية الثانية بعد الصين.
وأخيراً نطرح هذا السؤال: ما هو موقع العالم العربي على هذه الخريطة العالمية؟
في الواقع إنه في أسوأ أحواله من كافة النواحي. فبقية مناطق العالم تتجه نحو التكتل والتوحيد في حين انه يتجه نحو التفكيك والتقسيم. وكل مدخول العالم العربي بما فيه دوله البترولية لا يعادل مدخول دولة متوسطة أو حتى صغيرة كإسبانيا. وبحسب تصريحات الفيلسوف ريجيس دوبريه مؤخراً فإن البرازيل تترجم من الكتب العالمية أكثر من العالم العربي كله بدوله الاثنتين والعشرين..
وبالتالي فالعالم العربي ليس في أحسن أوضاعه حالياً. هذا أقل ما يمكن أن يقال. ولكن مصير الأمم لا يقاس بسنة أو عشر سنوات وإنما بخمسين أو ستين سنة على الأقل. ومن هذه الناحية يمكن القول بأن العالم العربي يمتلك طاقات وإمكانيات قد تؤدي به إلى أعلى المراتب إذا ما عرف كيف يستخدمها جيداً وإذا ما استطاع أن يتجاوز محنته الحالية أو أزمته الحادة التي تجاوزت كل التوقعات. وهي أزمة وصلت بانفجاراتها وعنفها وشظاياها إلى زوايا العالم الأربع..وبالتالي فالتاريخ لم يقل بعد كلمته الأخيرة فيما يخص العرب.
كاتب سوري
باريس