النتيجة الأساسية المشتركة التي نخرج بها من كل الانتخابات التي شهدها العالم العربي على مدار العقود التي خلت يؤكد بصراحة أنه لا ديمقراطية في ظل احتكار طرف واحد للقوة الاقتصادية، بل ان التجربة الأوروبية في القرن التاسع عشر، وفي بدايات تطبيق النظام الرأسمالي، تشير إلى أن السلطة السياسية لم تكن تتمتع مطلقا باستقلال أصيل، وإنما كانت موجهة من قبل من بيده المقدرات الاقتصادية، فالرأسماليون كانوا يقبضون على الخيوط الأساسية التي تشد الحكام، ويوجهون الدولة إلى إصدار قرارات تهدف في النهاية إلى تحقيق مصالحهم. لكن هذه العلاقة لم تمت بانقضاء القرن التاسع عشر إنما يعاد إنتاجها بأشكال مختلفة في دول كثيرة بعالمنا المعاصر.
ففي المجتمعات التي تكون فيها مصادر القوة، وفي مقدمتها القوة الاقتصادية، مركزة في يد حفنة قليلة من البشر تكون السلطة السياسية هي الأخرى مملوكة لزمرة من الناس. وعلى العكس من هذا فإنه في المجتمعات التي تنتشر فيها مصادر القوة وتوزع على نطاق واسع تكون القوة السياسية مائلة إلى أن تكون منتشرة بين أيدي عدد كبير من بين أعضاء النخبة. وهذه العلاقة الطردية بين توزيع الموارد الاقتصادية وانتشار القوة السياسية جعلنا بصدد معادلة، تقربها التجارب العملية من أن تكون «قانونا اجتماعيا»، تقوم على أن تركز القوة أو الموارد الاقتصادية يقود إلى الأوتوقراطية، وانتشار هذه الموارد يفضي إلى الديمقراطية السليمة.
فالمؤسسات السياسية في النهاية تمثل وسيلة لكفاح البعض من أجل التواجد والاستمرار. وفي هذا الكفاح، الذي يصل إلى حد الصراع أو على الأقل التنافس الحاد، يجنح كل طرف إلى استخدام كل ما يتوافر لديه من موارد متاحة، ولأن الموارد الاقتصادية تأتي في المقدمة، إذ هي الأكثر فاعلية فإن السلطة السياسية لا تبدو مستقلة عن القوة الاقتصادية. بل أكثر من ذلك فإن هذه المعادلة يتم عكسها تماما في كثير من المجتمعات بحيث تصبح السلطة السياسية وسيلة للحصول على القوة الاقتصادية. ففي البلاد المتخلفة لا تطلب المناصب لذاتها إنما للاستئثار بمزايا اقتصادية.
في ظل هذه المعادلة يصبح ترديد التصور المثالي للديمقراطية، الذي طرحه المبشرون الأوائل بها، والذي يعرفها بأنها «حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب»، هو إصرار على الإغراق في الطوباوية، التي قد تمثل غاية الديمقراطية، لكنها لا تشرح لنا ما يحدث فعلا في الواقع. فالتمعن في المفهوم العملي للديمقراطية، يشير إلى أنها عملية لا يمكن فصلها عن التوازنات الاقتصادية داخل المجتمع، بأي حال من الأحوال. فالديمقراطية في صيغتها الممارسة هي عملية يتم بواسطتها المفاضلة بين خيارات عدة.
بحيث تكون هناك حرية للاقتراح وتقويم البدائل، وتتوافر آليات لاتخاذ قرار المفاضلة هذا، ثم تتاح القدرة على ترجمة هذا القرار في الواقع، ومراقبة تنفيذه. فهذه الخيارات وتلك الآليات واختيار طرق العمل وامتلاك القدرة على تنفيذ القرارات تتطلب وجود إمكانات مادية للجماعات (الأحزاب وغيرها) المنوط بها القيام بهذه العملية، وتفوق إحداها في تلك الإمكانات يجعل فرصها أكبر في توسيع الخيارات وزيادة عدد البدائل.
وحال احتكار أي من القوى السياسية للإمكانات المادية فإننا لن نكون بصدد نظام حكم ديمقراطي حتى لو ادعى من يستأثرون بالمناصب السياسية ذلك، بل أقصى ما يمكن الحصول عليه في هذه الحالة هو نظام تسلطي مغلف بمسوح ديمقراطية، تشبه مساحيق التجميل، التي ليس باستطاعتها مهما كانت درجة جودتها أن تصلح ما أفسده الدهر.
فقد تعطي المعارضة، التي لا تتعدى في هذه الحالة كونها مجرد قلائد تعلقها السلطة في أعناقها للزينة أمام العالم الخارجي، «حق الصياح» من خلال انتقاد الحكومة، دون تجاوز خطوط حمراء معينة، وسيسمح لها بالطبع بخوض الانتخابات البلدية والتشريعية لكنها لن تحصل على النصيب الذي تستحقه، أو الذي يمكنها من التأثير الفعال في إدارة العملية السياسية بالبلاد.
وفي العادة تعزو المعارضة سبب فشلها في تحقيق نتائج مشرفة في الانتخابات إلى عمليات التزوير، لكن في الحقيقة فإن هناك ما هو أبعد وأعمق من التزوير، ألا وهو غياب توزيع الموارد الاقتصادية، أي احتكار الحكومة أو حزب معين لتلك الموارد. ففي ظل هذا النمط من احتكار القوة، فإن إجراء انتخابات نزيهة لن يكفي لإيجاد ديمقراطية حقيقة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة