كان صديقاً أثيراً لدى واشنطن عندما شن حرباً شاملة على إيران الثورة ابتداء من عام1980. وعلى نحو فجائي شطب من قائمة الصداقة الأميركية عندما شن عدواناً مماثلاً على الكويت واحتلت قواته أرضها، فصار في نظر واشنطن عدواً استراتيجياً.
وفي كلتا الحالتين المتناقضتين تصرفت معظم الأنظمة العربية بمقتضى الهوى الأميركي، فتعاملت معه كحليف ثم كعدو لدود خلال عقد زمني واحد.
ولو ووجه صدام حسين بموقف عربي ردعي وحازم عندما اعتدى على إيران في مطلع الثمانينات لفكر ألف مرة قبل أن يتخذ قراره اللاحق باجتياح الكويت. لكن المشكلة أن معظم الأنظمة العربية لا تبني مواقفها خلال الظروف المصيرية على أساس حسابات مصالحها الجيو ـ سياسية وإنما على أساس استرضاء الولايات المتحدة دون حساب.
منذ الوهلة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 واجهتها واشنطن بنهج عدواني سافر لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا. ورغم أن الولايات المتحدة تبالغ في تشددها ضد النظام الثوري الإيراني إلا إن موقفها العدائي ليس بلا مبررات ذاتية.
فالثورة أطاحت بنظام الشاه بهلوي، أهم عميل لأميركا في ذلك الحين وأقوى حليف إقليمي لإسرائيل. وبهذه المؤهلات النادرة كان نظام الشاه ألد عدو للقومية العربية وأي توجه إسلامي.
وبناء على الوجه الآخر لهذا المنطق كان المنظور أن تكون مجموعة الأنظمة الحاكمة في العالم العربي في مقدمة المرحبين بسقوط الشاه والمؤيدين الفوريين للنظام الثوري الجديد. لكن عوضاً عن ذلك تريثت معظم هذه الأنظمة آنذاك حتى تتلقى إشارة من واشنطن.
ووفقاً للإشارة الأميركية تبرعت دولة عربية كبرى بأن تتولى دور وسيط بين واشنطن وصدام حسين لتحفيزه لشن حرب على النظام الإيراني الجديد بهدف إسقاطه مع إبلاغه وعداً أميركياً بأن الولايات المتحدة ستتدخل في مرحلة لاحقة لدعم القوات العراقية.
وهكذا جرى تسويق الحملة العراقية العسكرية على إيران في العواصم العربية على أساس أن الزعيم القومي صدام «حارس البوابة الشرقية للوطن العربي».
وعندما انتهت الحرب بعد ثماني سنوات خرج صدام إلى الأمة العربية منتفخ الأوداج، وقرر ركوب الموجة العربية ليشن حرباً أخرى: هذه المرة عبر الحدود الجنوبية لاكتساح الكويت.
لكن في هذه المرة اختلف الأمر. فأغلبية الأنظمة العربية قررت وقف صدام عند حده، ليس من قبيل التضامن العربي مع دولة عربية وإنما لأن واشنطن أرادت ذلك انطلاقاً من حسابات مصالحها النفطية والجيو ـ سياسية.
وقادت الولايات المتحدة نفسها حملة دولية ضد صدام، فاستصدرت من مجلس الأمن الدولي منظومة العقوبات القاسية ضد العراق.
وكما اتضح لاحقاً فإن العقوبات الاقتصادية كانت تمهيداً لغزو أميركي كامل للعراق والإطاحة بنظام صدام.
الآن تبدو الدول العربية وكأنها نادمة بعد أن أعدم صدام. فسواء بقيت القوات الاحتلالية الأميركية أو خرجت فإن مصير العراق صار عملياً مرتهناً إلى منظمات شيعية متحالفة مع إيران، بحيث انه أصبح امتداداً للنفوذ الإيراني.
هكذا يدفع النظام الرسمي العربي ثمن تبعيته للأجندة الاستراتيجية الأميركية.