بعد طول انتظار نطق الرئيس بوش بخطته الجديدة في العراق. ما قاله لم يكن مفاجئاً. معظمه والأساسي منه، جرى تسريبه والتداول به منذ أيام. لكن مع ذلك جاء الإعلان عنه في خطاب متلفز، ليضع حداً للتكهن وليحسم الجدل الدائر. فهو رسا على الخيار الأمني. أو بالأحرى عاد وجدد التزامه بهذا الخيار. من البداية كانت مراهنته عليه.
وأمس أكّدها مرة أخرى.
كل التعثر والإخفاق والتدهور المخيف للأوضاع، وكل التحذيرات والاعتراضات والاقتراحات التي طرحت كمخارج محتملة، لم تكن كافية لإقناع الرئيس بوش بتبديل المسار، حيث رفض الأخذ بالبدائل المتاحة عن التصعيد وزيادة القوات. بدا غير قادر على الخروج من هاجس النصر العسكري. كل ما عداه يرى فيه هزيمة تنعكس خسائر كبيرة لاحقة، لا على العراق فحسب بل على المنطقة أيضاً. وأساساً على هيبة أميركا وعزمها في حربها على الإرهاب. قناعة لم يتزحزح عنها منذ اجتياح العراق واحتلاله.
الأرقام خالفته على طول الخط. وكذلك الرأي العام الأميركي والدولي. وأخيراً صناديق انتخابات الكونغرس، لكنه لم يتراجع.
قراره بإرسال عشرين ألف جندي يحمل رسالة مزدوجة:
الأولى: أن المتبقي من ولايته ـ حوالي سنتين ـ لن يشهد أي خروج عن هذا الخط.
الثانية: أن على المنطقة أن تتدبر أمرها، خلال هذه المدة وتتهيأ للتعايش مع التداعيات المحتملة، لهذا القرار. المقلق هنا أن حصيلة ما يقارب أربع سنوات من هذا التوجه، واضحة بكل سلبياتها ومخاطرها. وأول ما يتبادر إلى الذهن الآن، هو التساؤل عن سبب أو مبرر الإصرار على طريقة المعالجة نفسها؛ خاصة وأن العديد من المراقبين والخبراء العسكريين يستبعدون أن تكون زيادة عشرين ألف جندي كافية لطي صفحة الحرب ـ أو بالأحرى الحروب ـ في العراق. وإذا كانت كذلك، فلماذا تأخر اللجوء إلى ورقة الزيادة هذه؟
الرئيس بوش نفسه اعترف بوقوع أخطاء أدّت إلى الواقع المعروف. لكنه في النهاية اختصر كل الأخطاء بواحدة: عدم إرسال قوات إضافية، حين اقتضى الأمر ذلك. ربط كل التدهور بعدم كفاية القوة اللازمة لمواجهته، ليخلص من ذلك إلى الاستنتاج الذي يبرر خطوته.
لا خلاف في أن الحالة الأمنية، اللامعقولة في العراق، تحتاج إلى مواجهة فعّالة. لكن دائماً كان السؤال: كيف؟ وإذا كان لا أحد يزعم أنه يملك المفتاح السحري، إلا أن التجربة المكلفة هناك مليئة بالمحاذير. الحلّ الأمني وحده عجز. وبالتأكيد بات عاجزاً أكثر، في ضوء الحساسيات والخصومات التي زادتها الأحداث هشاشة وعمقاً، وجعلتها سريعة العطب أكثر بكثير من السابق. صحيح أن خطة بوش تحتوي على بنود أخرى تنموية وسياسية. لكن الأمن يبقى عمودها الفقري. وربما يزيد من التأجيج أن التعزيز العسكري أراده الرئيس بدون سقف زمني محدد. وكأنه مفتوح من هذه الناحية. الأمر الذي يعطي إشارات تحتمل التأويل وبالتالي تنطوي على المزيد من التأزيم.
الرئيس بوش يجرّب ما كان تحت التجربة. الجديد فيه أن المهمات الأمنية سيتم وضعها بالكامل في أيدي العراقيين مع حلول نوفمبر من العام الجاري. الكرة في ملعبهم وحده، التوافق السياسي قبل ذلك الأوان يحول دون وقوع الكارثة.