اصبحت اخبار الاقتتال الداخلي في فلسطين تتصدر نشرات الاخبار المتلفزة وعناوين الصحف وتقارير وكالات الانباء العالمية، واصبحت تصرفات الفصائل الفلسطينية المتقاتلة محل الاستغراب والاستهجان من حيث تصرفاتها المتناقضة مع واقع الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت اطول واقسى احتلال عرفه التاريخ المعاصر، وعلى الرغم من كون هذه الفصائل وقياداتها وشعبها يقاسون اسوأ معاناة سياسية وامنية واقتصادية في العالم، فانهم يدفنون رؤوسهم في الرمال، ويواصلون التصارع على مناصب وكراسي لا صلاحيات لها ولا مضمون، لان كل الصلاحيات الحقيقية والسيادية هي في يد المحتل الاسرائيلي.
ان كل مواطن فلسطيني ينتمي الى هذه الارض الطيبة العريقة يتساءل، وبحق عن المقاتل الفلسطيني الذي يجد في نفسه الجرأة او الاستهانة، بحيث يرفع سلاحه في وجه اخيه المقاتل الاخر الذي ينتمي لفصيل يختلف عن فصيله في الاجتهادات، بل ويطلق هذا السلاح ليسفك دما فلسطينيا، كان المتعارف والمتفق عليه دائما انه دم محرم وان السلاح الفلسطيني لن يرفع لمحاربة ابناء الشعب الفلسطيني فهل هذه المحظورات اصبحت امورا مباحة، وهل وصل الامر بفصيل ما حد اعتبار فصيل اخر عدوا يجب التغلب عليه بالسلاح وسفك الدماء، وترويع الاطفال والنساء والشيوخ؟
الفلسطينيون غير المسيسين وهم الغالبية العظمى من ابناء هذا الشعب الصابر ليس فقط على الاحتلال الاسرائيلي بل الصابر الى حين كذلك على طيش كل من يخترق المحظورات الفلسطينية وينتهك حرمة الدم الفلسطيني، ويقف مع الاحتلال في زيادة معاناة ابناء شعبه - هؤلاء الفلسطينيون الذين لا ينتمون لا لحركة »فتح« ولا لحركة »حماس« او غيرهما من الفصائل الفلسطينية يرون ان هذا الاقتتال ليس له اي مبرر او منطق، وانه يعيد القضية الفلسطينية عشرات السنين الى الوراء، ويكرس اجراءات اسرائيل احادية الجانب: سواء فيما يتعلق بتجذير المستوطنات ، ام ترسيخ جدار الفصل العنصري ام تنفيذ المخططات الاسرائيلية في القدس العربية، التي تحاصر وتتآكل اراضيها ويرزح مواطنوها تحت كاهل الضرائب الباهظة والازمة الاسكانية الطاحنة.
والاسوأ من ذلك كله، ان يصل هذا التطاحن العبثي حد تخريب الممتلكات وحرق المتاجر والمؤسسات التي تشكل العصب الاقتصادي او ما تبقى من هذا العصب في ظل الحصار الاسرائيلي والدولي الجائر على الاراضي الفلسطينية، او ان تصل اللامبالاة بالصورة الفلسطينية لدى العالم حد اختطاف الصحفيين والضيوف الاجانب العاملين في هذا الوطن لتخفيف معاناة ابناء الشعب الفلسطيني - كل هذه التصرفات غير العقلانية تدفع بالاسرة الدولية الى التساؤل عن وجود الحكمة والرأي السديد، بل وحسن التقدير والتقييم لدى القائمين بهكذا انتهاكات وتجاوزات، ام ان هؤلاء مثل من تسلق شجرة عالية وجلس على اعلى فروعها، ثم اخذ يقطع هذا الفرع، جاهلا انه سيهوي من هذا الارتفاع الى حتفه.
ما الذي حدث لهذه الفصائل التي كانت تدرك انها جميعا مع شعبها في سفينة واحدة، وان من يخرق ركنه في هذه السفينة يعرضها ويعرض ركابها للغرق قبل ان تصل شاطئ الامان، فهل بلغ من تأثير المصالح الذاتية والحزبية والفصائلية والحرص على المناصب والمكاسب الفارغة حد سعي هذه الفصائل الى اغراق السفينة، وهدم المعبد على طريقة شمشون - واين الانتماء التقليدي الراسخ لفلسطين والشعب الفلسطيني، ام ان التأثيرات الخارجية والضغوط الاجنبية فعلت فعلها، فغسلت الادمغة ومسحت معنى مفهوم الانتماء الذي ضحى من اجله مئات الالاف من الشهداء والجرحى والاسرى بارواحهم ودمائهم وحرياتهم، حتى يكون الفلسطينيون جميعا افرادا واحزابا وفصائل جسما واحدا وكيانا واحدا ويدا واحدة على طريق تحقيق اهدافهم الوطنية مهما طال الزمن، وتوالت التضحيات واشتدت النوائب والمحن؟