أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أنه بصدد الإعلان عن استراتيجية أميركية جديدة في العراق بعد أن تأكد وإدارته الحالية أن الاستراتيجية المتبعة لم تنجح في تحقيق الأهداف المرجوة بل وفشلت فشلاً ذريعاً.

وليس من شك أن السياسة الأميركية تواجه مأزقاً حقيقياً في العراق بعد فشلها الذريع في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار وبناء الدولة الحديثة والديمقراطية على أنقاض الدولة التي حكمها نظام البعث منذ عقود وتم إسقاطها في مارس عام 2003.

وهذا المأزق تعاظم بعد الهزيمة السياسية التي منيت بها إدارة الرئيس بوش بعد فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، الأمر الذي أدى إلى ازدياد الضغوطات السياسية على الإدارة الأميركية لحملها على الانسحاب من العراق ضمن خطة واضحة ومحددة المعالم.

فالديمقراطيون الذين فازوا في الانتخابات التشريعية، إضافة إلى غالبية المحللين السياسيين ومراكز الأبحاث الأميركية، أعلنوا بوضوح أن الحرب الدائرة في العراق لا يمكن لها أن تحسم عسكرياً من قبل جيش الاحتلال الأميركي وأن الحل يكمن في المصالحة العراقية وتسلم القوات العسكرية العراقية الملف الأمني ليصبح دور القوات الأميركية مركزاً على تدريب القوات العراقية.

أضف إلى ذلك أن غالبية الشعب الأميركي أصبحوا يؤيدون انسحاب القوات الأميركية من العراق خلال فترة قصيرة لاقتناعهم أن النصر في العراق أصبح مستحيلاً وأن العراق قد تحول إلى مستنقع شبيه بالمستنقع الفيتنامي.وتتركز الاستراتيجية الجديدة كما جاء على لسان بعض المسؤولين الأميركيين وفي الصحف الأميركية الرئيسية على العناصر التالية:

1.إرسال المزيد من القوات الأميركية إلى العراق بمقدار يتراوح من 4000 إلى 20000 جندي أميركي للتمركز في العاصمة العراقية وضواحيها وفي محافظة الأنبار.

2.أن يقدم رئيس الوزراء العراقي خطة أمنية شاملة للقضاء على الميليشيات العسكرية التابعة للطوائف المختلفة.

3.تقديم خطة لإرساء المصالحة الوطنية عن طريق تشكيل حكومة مصالحة وطنية تضم الحزبين الشيعيين الأساسيين والحزبين الكرديين الكبيرين والحزب الإسلامي العراقي السني. والهدف من ذلك يكمن في تهميش مقتدى الصدر الذي يقود أقوى ميليشيا شيعية ويرأس كتلة لها 30 مقعداً في البرلمان العراقي و5 مناصب وزارية.

4.تقديم مساعدات مالية تتجاوز المليار دولار أميركي لإنعاش الاقتصاد العراقي وذلك من خلال تخصيص هذه المبالغ لتحسين أداء المصانع الحكومية في العراق، تقديم قروض صغيرة لتشجيع المشاريع الحرة التي تساعد على التقليل من البطالة، وتوسيع عمل برنامج الوكالة الأميركية للتطويروالاستقرار في العراق.

5.تقديم المساعدات المالية للأعمال قصيرة الأمد مثل أعمال تنظيف الشوارع وعمليات الإصلاح في الأحياء التي تخرج منها القوات العراقية والأميركية بعد توطيد الأمن فيها.

ويتضح من هذه الاستراتيجية الجديدة أن الإدارة الأميركية الحالية لا تزال تصر في محاولتها لتحقيق الأمن والاستقرار على عدم التعاطي مع سوريا وإيران، الأمر الذي كان جوهرياً في تقرير بيكر - هاملتون الذي أكد على ضرورة أن تلعب البلدان الجاران دوراً إيجابياً لتحقيق الأهداف المرجوة في العراق،.

ولكن طبقاً للأحداث والتطورات السياسية والميدانية في العراق فإن الحقائق تؤكد أن هذه الاستراتيجية تخلو من أي عنصر جديد منذ أن بدأ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. وهذا الأمر أثار حفيظة العديد من السياسيين الأميركيين وخاصة التشريعيين الذين أكدوا أنهم سيرفضون هذه الاستراتيجية عندما يعلنها الرئيس بوش في نهاية هذا الأسبوع.

المتحدثة باسم الكونجرس الأميركي النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي أكدا على أن أية استراتيجية لا تتضمن بشكل واضح خطة لوقف الحرب في العراق وسحب القوات الأميركية لن يكتب لها النجاح. وعليه فقد أرسلا برسالة إلى الرئيس بوش يؤكدون فيها أن التصعيد العسكري التكتيكي الذي سيصاحب زيادة القوات الأميركية لن يحقق أي شيء وأن أصبح من الضروري البدء بعملية انسحاب وفقاً لجدول زمني يبدأ الانسحاب الأول خلال فترة زمنية تتراوح من أربعة إلى ستة أشهر.

وحتى النواب الديمقراطيون المحافظون والجمهوريون أبدوا عدم ارتياحهم لأية تصعيد عسكري أو زيادة لعدد القوات الأميركية. السيناتور بين نيلسون الديمقراطي المحافظ من ولاية نيبراسكا أبدى عدم رضاه لخطط الرئيس الأميركي وشدد على ضرورة أن يقدم الرئيس بوش خطة واضحة ومحددة قبل أن يطلب إرسال المزيد من القوات الأميركية.

أما رئيس الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور ترينت لوت فقد أكد ضرورة تغيير الأوضاع الراهنة في العراق ومن بينها أن يقول الرئيس بوش للشعب العراقي أنه قد تحرر من الرئيس السابق صدام حسين وان عليه تسلم كافة الشؤون العراقية بدون التدخل المباشر للولايات المتحدة.

لقد لاحظ المشرعون الأميركيون وكذلك المحللون السياسيون وغيرهم من المهتمين بالشأن العراقي أن الاستراتيجية الجديدة التي يوشك الرئيس الأميركي الإعلان عنها لن يكتب لها النجاح لأنها هي ذات الاستراتيجية التي تم تبنيها منذ اليوم الأول للاحتلال في مارس 2003. فالإدارة الأميركية أضافت مراراً وتكراراً عدد القوات الأميركية بأكثر من 20000 جندي أميركي لتحسين الأوضاع الأمنية في العراق وانتهى الأمر بفشل ذريع، كما تم تقديم مساعدات مالية ضخمة للعراق ولم يطرأ أي تحسن للأوضاع الاقتصادية والمالية للشعب العراقي بل على العكس تدهورت الأوضاع وازدادت سوءا.

من جانبها حاولت حكومة نوري المالكي والحكومات التي سبقتها بوضع استراتيجيات أمنية لمحاربة العنف والإرهاب والتصدي لأعمال المقاومة وفشلت جميعها وازداد عدد الميليشيات العسكرية ذات الطابع الطائفي وتفشى العنف في معظم محافظات العراق وخاصة في المناطق السنية وفي العاصمة بغداد.

إن ما تحاول أن تقوم به الإدارة الأميركية واليمينيون المحافظون هو الهروب إلى الأمام والابتعاد أكثر عن الحلول الدقيقة والصحيحة لمعالجة التدهور الجاري في العراق. فالحل في العراق يكمن في إيجاد حل سياسي تقبله جميع الأطراف العراقية بدون استثناء .

وفي جدول واضح لانسحاب قوات الاحتلال الأميركية وفي الحوار مع دول الجوار بدون استثناء وفي الإعلان عن سياسة أميركية جديدة تقوم على حل الأزمات المستعصية في منطقة الشرق الأوسط وخاصة الصراع العربي - الإسرائيلي وفي الابتعاد عن الحلول العسكرية التي تجلب الدمار للجميع.

لقد أعلن عن سقوط أكثر من 17 ألف قتيل عراقي في النصف الأخير من العام المنصرم نتيجة التدخل العسكري الأميركي في العراق والفلتان الأمني المصاحب له. إذا أراد أن ينجح الرئيس بوش في حل الأزمة العراقية عليه أن يستمع لأصوات العقل والمنطق في الولايات المتحدة والمنطقة وأن يبتعد عن سياسة الغطرسة والتطرف التي ثبت فشلها وتبنت نتائجها المدمرة على شعوب هذه المنطقة وعلى السياسة والمصداقية الأميركيتين.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com