ما أحوجنا في هذه المرحلة التاريخية إلى التأكيد على الهوية الوطنية التي انبثقت من الدولة العربية الحديثة والتي تشكلت بعد انهيار السلطنة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

نعم، لقد كان التركيز على الهوية القومية بوصفنا ننتمي إلى أمة واحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي موقفاً عقلانياً وفعلاً مشروعاً، فتلك الدول العربية (الولايات) التي خرجت من العباءة العثمانية كان يمكنها أن تعود مرة أخرى وتتجمع إما في دولة واحدة لتكون دولة عربية واحدة كبيرة، أو كان يمكنها أن تتجمع في وحدات إقليمية كالمكونات السياسية لبلاد الشام ووادي الرافدين، ومنطقة وادي النيل، وأيضاً شمال إفريقيا، وغيرها.

وكانت الأرضية المشتركة بين هذه الولايات قائمة وقوية: وحدة اللغة، وإلى حد كبير وحدة الدين فضلاً عن تاريخ مشترك طويل خلق ذاكرة شعبية موحدة.بيد أن منطقتنا العربية قد ابتليت بالاستعمار الغربي ـ كما هو معروف ـ فتحولت ولايات الدولة العثمانية، بفعل سياسات الدول الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا على وجه الأخص) إلى دول عربية ناشئة، بعضها يمتلك مقومات الدولة بشكل كامل، وأخرى ينقصها هذا العنصر أو ذاك.

وإذا كان العقل العربي قد انقسم أثناء الحكم العثماني إلى تيار يدعو إلى استقلال الولايات العثمانية ومن ثمة إنشاء دولة عربية على أنقاضها تستند أساساً إلى الفكرة الأوروبية لقيام الدولة القومية، فإن تياراً مضاداً (تيار الجامعة الإسلامية) كان يرى الإبقاء على هذه الدولة لأنها تمثل الخلافة الإسلامية.

وسيدعو هذان التياران الكبيران في الفكر العربي إلى الوحدة بعد انهيار السلطنة العثمانية، كل تيار بطريقته الخاصة. فالتيار القومي نادى إلى العودة إلى الوحدة التي كانت تتمتع بها أجزاء الوطن العربي والتي تقسمت بفعل سيطرة القوى الاستعمارية التي عملت بها تقطيعاً وتجزيئاً.

أما التيار الديني، فإنه دعا إلى تلك الوحدة عن طريق إحياء فكرة الخلافة الإسلامية. وبرزت تيارات أخرى وعلى رأسها الأحزاب الشيوعية، حيث انطلقت في عملها من التقسيمات السياسية القائمة للدولة الوطنية (أو القطرية) الحديثة دون الاكتراث بالدعوة إلى الوحدة.

ولم يخلُ تاريخ العرب الحديث من محاولات «للم الشمل» ـ أقصد لم شمل الأجزاء المتناثرة للأمة العربية. فتوحدت الجزيرة العربية في العقدين الأولين من القرن الماضي على يد الملك عبد العزيز بن سعود، وجرت محاولة للوحدة بين مصر وسوريا في أواخر الخمسينات، ونشأة دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 1970، ومحاولة للوحدة بين العراق وسوريا 1978، وتأسس مجلس التعاون الخليجي في العام 1980، ومجلس التعاون العربي في 1989، وتوحدت اليمن في العام 1990 .

لم يكن حظ كل التجارب السابقة النجاح كما هو معلوم، فباستثناء توحيد الجزيرة ونشأة الدولة السعودية الثالثة، وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة وتوحيد اليمنَين، فإن حصاد باقي التجارب كان مراً، أو في بعض الأحيان كتجربة دول مجلس التعاون حصاد قليل لا يشفي الغليل!!

والغريب أن الأنظمة الجمهورية التي رفعت الوحدة شعاراً لم تستطيع تحقيق ذلك الشعار الذي كان أحد أسس شرعيتها. والأغرب أن لا يستطيع حزبان ينتميان إلى فكر واحد (حزب البعث العربي الاشتراكي) أن يحققا الوحدة بين قطريهما (العراق وسوريا) رغم التجاور الجغرافي والحاجة الاقتصادية المتبادلة ووجود عدو مشترك وهو إسرائيل.

ولعل ذلك الحصاد المرّ قد جعلنا نصل إلى قناعة بأن الوحدة العربية بعيدة المنال، أو هي بعيدة المنال بالطريقة القديمة حيث يتجمع العرب تحت ظل سلطة واحدة. وللأسف لم تخلِ هذه القناعة إلى أشكال أخرى من العمل العربي المشترك من قبيل تفعيل دور الجامعة العربية أو تعميق العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية أو زيادة التجارة البينية العربية، بل نجد أن العمل العربي المشترك في حدوده الدنيا، بل لقد تردى الحال بحيث لم تستطع الجامعة العربية أو الوساطات العربية البينية في حل أي مشكلة بين الأقطار العربية.

وحينما تقوى عود الدولة القطرية وأصبحت واقعاً، اكتشفنا حجم الاختلافات والتباينات القائمة في الدولة الواحدة وبين الدول العربية المختلفة، وهي تلك التباينات التي كان يخفيها «نظام الملل» في الدولة العثمانية.

حيث كانت تعيش كل ملة أو طائفة أو قبيلة أو قومية بشكل مستقل داخل إطار الخلافة الإسلامية مما لم يطور هوية واحدة متجانسة سوى مظلة دينية عامة، في عصر كانت الشعوب تتجه فيه في بناء الدولة القومية على أساس اللغة والثقافة والتاريخ المشترك كما حدث في وحدة ولايات ألمانيا وبعد ذلك إيطاليا، أو كما حدث قبل ذلك في الولايات المتحدة الأميركية.

إذن، ورثت الدولة العربية الوطنية أو القطرية بلايا تشكيل المواطنة والانتماء الوطني في ظل سيطرة استعمارية وأنظمة سياسية متخلفة هي تعبير صادق عن الواقع القبلي والطائفي والإثني لكل دولة، وأصبح الجهاز الحاكم (مؤسسات الدولة) مجالاً للتنافس والتقاسم بين تلك المكونات.

ولم تستطع سياسات الدولة العربية الحديثة أن تذيب تلك التقسيمات وتصهرها في بوتقة المجتمع الواحد ليكون ولاؤها الأخير للدولة، بل ظلت تلك التقسيمات المتوارثة مهمة وتلعب دوراً متزايداً في الواقع الاجتماعي وفي الحياة السياسية. ولعل المشهد العراقي خير مثال على ما نقول، وهو لا يمثل الحالة الوحيدة بل ربما الحالة الشائعة.

ترى، ما الفرق بين حالة الواقع العراقي التي يصفها الملك فيصل في بيانه المشهور قبل أكثر من ثمانين عاماً والحالة الماثلة أمامنا الآن. يقول الملك فيصل: «إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى منقسمة على بعضها».

فالاحتراب الطائفي الذي نشهده وعدم قدرة القوى السياسية المكونة للشارع العراقي إلى وصول لحد أدنى من الاتفاق يشير إلى أن الأنظمة المتعاقبة وآخرها وأطولها نظام صدام حسين، لم تستطع خلق الولاء الوطني وتذويب الفوارق الاجتماعية والإثنية والمذهبية ـ أو على الأقل الحد منها ـ وخلق إجماع وطني، ولذلك، ما إن انهار مركز القوة حتى ذهب كل فريق إلى منابعه الأولى وتفتت الدولة وفقدت كيانها!!

نخلص مما سبق إلى أننا في هذه المرحلة التاريخية من تطور الدولة العربية بحاجة إلى التركيز على الولاء الوطني، فإن نحن فشلنا في ذلك، فلا شك أننا فاشلون في تحقيق أحلام وطموحات أكبر، بل ربما لم نستطع الاحتفاظ بما نمتلك من وحدات سياسية قد تكون قابلة للتجزؤ أكثر بحسب ما هو مطروح ومتداول هذه الأيام في خلق كيانات جديدة قائمة على الطائفية والمذهبية والتقسيمات الإقليمية والمناطقية والدينية.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com