الأرقام الأخيرة عن حركة النزوح والتشرد، في العراق، آخر مآثر الاحتلال ترسم لوحة شديدة السواد. تطرح أسئلة مصيرية وتحمل رسائل بالغة الخطورة، لاسيما وأنها ترتفع بوتيرة متسارعة. تسير على إيقاع تصاعد العنف وتدهور الأمن. وبهذا بات العنف الأهلي مولداً لنزيفين قاتلين: نزيف الدم ونزيف التفريغ.
الأول يتدفق بغزارة جنونية، يومياً. الثاني يفوقه تدفقاً وبما يهدد ليس المعادلات والتوازنات والتداخلات السكانية فحسب، بل أيضا الوجود السكاني نفسه. وإذا بقي الأمر على هذا المنوال، من غير العثور على ما يكفل إقفال حنفية هذا النزف المزدوج؛ عندئذ يصبح مصير البلد برمته في دائرة الخطر الداهم.
آخر هذه الأرقام صدر وبلهجة تحذيرية، عن المفوضية العليا للأمم المتحدة الخاصة بشؤون اللاجئين. جاء فيه إن نحو 7, 1 مليون عراقي يعاني من التشرد، داخل البلاد. كما إن نحو مليونين رحلوا أو هاجروا إلى خارج العراق. ووصفت المفوضية هذا الوضع بأنه يشكل اكبر عملية نزوح سكاني، غير مؤقت، عرفته المنطقة؛ منذ أزمة اللاجئين الفلسطينيين، في عام النكبة.
كلام ينطوي على أكثر من تحذير، داخلي وإقليمي. فالبلد، بهذا الشكل مهدد بجفاف بشري حاد؛ ولو بطيء. كما إنه مهدد بتفاقم عمليات التطهير الطائفي والمذهبي مع كل ما يحمله هذا الأخير من مخاطر اشتعال حروب وصراعات لا سقف لها في الزمن أو في الخسائر.
الأمر الذي لابد وان يفيض إلى خارج الوعاء العراقي؛ ليتسلل إلى الجوار والمنطقة، ثم هو تحذير من حدوث نكبة لاجئين جديدة في المنطقة؛ بكل ما تنطوي عليه من هموم ومتاعب وإشكالات. من هنا فإن تقرير المفوضية يأتي بمثابة نداء؛ أو هو ينبغي التعامل معه على هذا الأساس نداء للقيام بالمطلوب ولو بالحد الأدنى، لوقف أو لتخفيف، اندفاع هذه الموجة؛ قبل ان تبلغ باستفحالها؛ نقطة المحنة العصية، المتعددة الجوانب والمفاعيل.
وفعلاً أطلت بوادر هذا النداء من خلال مناشدة المفوضية لتوفير 60 مليون دولار، لازمة لتمويل عملياتها؛ خلال العام الجاري. وهذا أول الغيث. بل هو، ربما، أسهل الآثار التي ترتبت، حتى الآن، على حركة النزوح العراقي. الأهم من ذلك أن يصار إلى طرق باب المعالجة في الجذور.
وليس خفياً أن ذلك يكمن في معالجة حالة العنف، المسؤولة عن مثل هذه الحركة. كما ليس خافياً أن مفتاح النجاح في إزالة هذا السبب؛ موجود في جعبة الوضع السياسي. وهنا العقدة وعلة العلل. فهذا الأخير ملتهب كالوضع الأمني وأكثر. كلاهما يغذي الآخر. وكلاهما في دوامة مفرغة.
المشهد صار أشبه بحالة عبثية. أو بحلقة جهنمية. وبغياب المفتاح السياسي، هو مرشح للمزيد من التدهور. السعي وراء مخرج من البوابة الأمنية، انتهى إلى لاحل. بل إلى تفاقم الأزمة. ومن هنا ردود الفعل الفاترة، أو المحذرة في أحسن أحوالها، على قرار الرئيس بوش ـ المتوقع إعلانه صباح اليوم ـ بزيادة عدد القوات الأميركية في العراق.
يعني مواصلة تعويله ومراهنته على الخيار الأمني. لكن حتى ولو أدى ذلك إلى استتباب معقول للوضع ولجم العنف؛ فإن أساس المشكلة يبقى قائماً. وبالتالي يبقى جاهزاً للتأزيم فالانفجار. الخلاص كان ومازال وسيبقى، بأيدي العراقيين، هم من يقرر السلم ويقرر الحرب.