في العين الصهيو ـ أميركية لا أحد أحسن من أحد، فعلى الجميع وخصوصا بلدان الطوق بما في ذلك الفلسطينيين تقديم خدمة ما لصالح بقاء الدولة العبرية على قيد الحياة أولا ومن ثم متربعة على قمة هرم ميزان القوى الإقليمي في العالم العربي بغض النظر عن طبيعة تلك الخدمة التي قد تتنوع لتشمل خدمات سياسية أو عسكرية أو أمنية أو حتى لوجستية، بدونها يستحيل على هذه الدولة المارقة الاستمرار في الوجود.
ومثلما لعبت حركة الإخوان المسلمين في فلسطين خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي دورا في مواجهة القوى الوطنية والتقدمية الفلسطينية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية وحتى في الشتات، ها هو السحر ينقلب على الساحر وتتبدل الخارطة السياسية الفلسطينية الداخلية ليظهر لاعب جديد ممثل بحركة فتح ليواجه حركة حماس التي ولدت من رحم الإخوان المسلمين،.
لكن بعد أن تبنت الأخيرة برنامجا سياسيا نضاليا مناهضا للمشروع الصهيوني، الذي وجد في رموز السلطة الفلسطينية لا بل أوجدهم لخدمة أهدافه الأمنية والعسكرية والسياسية على طريق شطب القضية الفلسطينية من الخارطة السياسية العالمية مرة وإلى الأبد على أيدي الفلسطينيين أنفسهم هذه المرة.
في إطار توزيع الأدوار الخدمية آنفة الذكر تندرج معظم التحركات والتصريحات الفلسطينية والعربية وحتى الدولية الأخيرة والتي يتصدرها موقف مصر، الذي جاء على لسان وزير خارجيتها وحمل فيه الفلسطينيين مسؤولية حل الأزمة العالقين فيها، متناسيا كل الأدوار التي مورست على غير صعيد.
ومن قبل أطراف فاعلة عدة وعلى رأسها دول عربية محورية والسلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح للإطاحة بالحكومة الفلسطينية الحالية المنتخبة ديمقراطيا، لأنها رفضت الخروج من العباءة الوطنية والانصياع للشروط الصهيونية التي يتقدمها شرط الاعتراف بالدولة العبرية، الذي يعيد كل الاتفاقات والتفاهمات.
وما أكثرها التي أبرمت سرا وعلانية مع الكيان الصهيوني إلى المربع الأول، وهذا ما لن ترضى عنه الدولة العبرية ومعسكر (الاعتدال) في العالم العربي وحلفاؤهما الدوليون الذين تتقدمهم الولايات المتحدة طبعا.
لا أحد أحسن من أحد حين يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ولا أحد خارج إطار تحمل المسؤوليات التاريخية الملقاة على عاتق الجميع للخروج من الحالة المريعة التي آلت إليها الأمور في غزة والضفة، فلقد أزفت ساعة صحوة الضمير لا لشيء إلا رفقا بأبناء الشعب الفلسطيني الذين لا ينقصهم المزيد من أوجه المعاناة والعذاب، التي تفننت بها كل قوى الشر في الدنيا منذ ما يزيد على قرن من الزمن.
ومن نافلة القول إنه لا ينقصه قبل كل شيء أي وجه من أوجه المعاناة خاصة على أيد فلسطينية، فثقل ومرارة هذا الصنف من المعاناة يصبح أضعافا مضاعفة مقارنة مع ذلك الصنف الذي تمارسه قوى خارجية بات الشعب معتادا عليها ولا يرى فيها أي ضير مادامت تقدم على مذبح المسار الحقيقي للصراع التاريخي مع الكيان الصهيوني.
لا تطلقوا الطلقة الاخيرة على الجسد الفلسطيني المرتعش أصلا... لا تحشروا المواطن الفلسطيني في زاوية لا مفر أمامه فيها سوى باتجاه المزيد من اليأس والإحباط والكفر بقضيته الوطنية... لا تدعوا جمرة اللامبالاة تأتي على جذوة ما تبقى من روح وطنية الشعب الفلسطيني في أمس الحاجة لها أكثر من أي وقت مضى.
لا تسمحوا لجيش الشامتين، الصاخبين منهم والصامتين، بمواصلة ممارسة هوايتهم هذه، لا تنسوا أو تتناسوا أبجديات النضال الوطني الفلسطيني وكفاحه المسلح وأن هذه البندقية التي بين أيديكم إنما وجدت لتوجه إلى صدر عدو معروف لا حاجة للتذكير بأنه يقف بالمرصاد متحينا أي فرصة تلوح في الأفق تسمح له بالانقضاض على ما تبقى من أرض فلسطين وطرد ما تبقى من شعبها إلى خارج الوطن السليب.
لا تخذلوا أشبال وزهرات وبراعم فلسطين... لا تقهروا رجالها البائسين... لا تحطموا فؤاد امرأة فلسطينية أنجبت وتحلم بإنجاب المزيد من أطفال الحجارة الذين قهروا أعتى آلة عسكرية في المنطقة.
هي دعوة للجميع للخروج من دائرة تقديم الخدمات المجانية أو المدفوعة على حد سواء للمشروع الصهيو ـ أميركي في العالم العربي والولوج إلى دائرة رحبة قلب الناس فيها على ما يخص الشعوب العربية من مصالح وطنية وقومية لن ترى النور إلا من خلال توحيد الكلمة والصف بين رفاق الدرب وأبناء الأمة الواحدة.
bassil@albayan.ae