امتزج صوت الأذان بوقع حوافر الخيل وأنفاسها، وجذب محمد الفاتح عنان جواده منصتا لهذا النشيد السماوي، ومواكب رجاله الأشداء تدخل في خشوع الرهبان أبواب المدينة التي تمنّعت طويلا قبل أن تسقط تحت وطأة العزيمة التي لا يعرف اليأس إليها سبيلا، ثم أرسل بصره بعيدا إلى حيث تتعانق السماء والأرض.
وكأنه يشاهد التاريخ وهو يسطر صفحات هذا النصر الذي هو أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكنات. فاغرورقت عيناه بالدموع وقد توهجت في أعماقه كلمات المثل الأعلى ومصدر الإلهام ومشكاة النور، تلك الكلمات التي حانت ساعة قطاف ثمراتها: «لَتُفتَحَنّ مدينة هرقل، فلَنِعم الجيش جيشها، ولنعم الأمير أميره» (حديث شريف).
نحوا من ثمانمائة وأربعين سنة هي الفاصلة بين الطاقة الوجدانية للكلمة المبدعة، وبين الطاقة الحركية للفعل الإبداعي، وهكذا يكون بناء الأمجاد والانتصارات، ويكون بناء الحضارات، عند تحول البصيرة (الرؤية) إلى كلمة (رسالة)، ومن تفاعل الكلمة بالإرادة، ومن تحول الإرادة إلى حركة إيجابية (إنجاز)، عندها تتفجر قدرات الإنسان.
ويلتئم شمل الأفراد المشتتين التائهين في جماعة، تفكر كأنها عقل واحد وتعمل كما لو كانت يدا واحدة، وتحركها رسالة واحدة في اتجاه واحد. حينذاك يتكامل الإنسان والإنسان وتضيق بينهما الفوارق حتى توشك أن تتلاشى فيتكون الشعب، وتضيق الفوارق بين الشعب والشعب فتتكون الأمة، ومع ميلاد لحظة التكوين تكون مسيرة الإنجاز قد أخذت أهبتها للانطلاق.
ما السر الذي مكّن دولتين من النهوض ثانية بعدما أتت حرب طاحنة كالحرب العالمية الثانية على أخضرهما ويابسهما كاليابان وألمانيا، فالحرب لم تتركهما إلا وهما مدمرتان تماما تجرّان أذيال الهزيمة، فإذا بهما في أقل من عقدين من الزمن تنهضان من تحت رماد الحرب لتشاركا في قيادة الاقتصاد العالمي؟
لدرجة أن تتربع اليابان وهي الفقيرة في مواردها الطبيعية (80% من أراضيها جبلية) على المركز الثاني كأقوى اقتصاد في العالم، بينما دولة متخمة بالموارد الطبيعية، تكسو الغابات أطرافها المترامية وتحتضن أراضيها كل أنواع الكنوز كالكونغو تقبع في ذيل الاقتصادات الهزيلة، وما السر الذي يجعل دولة صغيرة كسنغافورة محدودة المساحة والموارد تتبوأ مكانة أكبر أهمية من دولة تفوقها في المساحة والموارد بمئات المرات كالسودان؟.
إنه الإنسان، عندما تتوق نفسه إلى أداء رسالته في عمارة الأرض فإنه يقفز من الواقع إلى المستقبل، ويُكسب الأشياء قيمة مضافة، ويبعث في الحياة بهجة جديدة، ويعطي التاريخ مادة للكتابة. ولكن، أي شيء ذلك الذي يحرك الإنسان؟ ومتى يتحرك؟
هذه هي المعادلة العصية التي كلما سارعت الأمم والدول إلى تفكيك ألغازها كلما قطعت مسافة أكبر في اتجاه تحويل الكلمة إلى إنجاز أو ربما إعجاز، واستدلت على ماهيّة النقلة التي تأخذها من الذيل إلى المقدمة.
وذلك هو الحال في كل التجارب السابقة لأي أمة من الأمم، فقد ظل الإنسان دائما وأبدا هو نقطة البدء، لا تبدأ حركة الأمة إلا عندما تنجح في إفراز الإنسان المسؤول والمهيأ لأن تشعل الكلمة الملهمة فتيل دوافعه وقدراته الكامنة، وعندما تستفز غاياتها الكبيرة وقود إرادته وشحنة الأمل المكنون في ضميره، لاسيما إذا وجدت هذه التروس التي تدور في مكانها عجلات المعرفة والأخلاق لكي تنقل حركتها عبر دروب الزمان والمكان.
ما العوامل والمحفزات التي صنعت الإنسان محمد الفاتح، وحركت دوافعه الكامنة باتجاه هذا المجد الأسطوري؟ هل هي الرؤى والاستراتيجيات السياسية، أم الفرضيات والظروف التاريخية، أم الفلسفات الأيديولوجية والفكرية؟ ربما تضافرت كل تلك العوامل والمحفزات أو بعضها.
ولكن أكثر هذه المحفزات فاعلية تبقى يقظة الضمير البشري الذي يستشعر غريزيا تبعات خلافة الإنسان على الأرض، إنها اليقظة التي وجدت في محمد الفاتح ومن حوله أرضا خصبة، يؤازرها استيعاب ذكي لرسالة الأمة الآتية من السماء.
واقتناع بمصداقيتها بوزن الجبال، ووعي متألق بقيمتها التي لا تقف عند حدود الأمة بل تتجاوزها إلى البشرية قاطبة، وانطلاقة صائبة من خلال توظيف قاعدة الارتكاز الصحيحة للنهوض، فقد برهنت تجارب التاريخ أن الأمم والدول التي حادت عن هذا القانون الكوني وحاولت محاكاة غيرها من الأمم والدول، أو لفّقت هويتها مما خدعها بريقه في حوانيت الثقافات الأخرى.
كما ذهبت تركيا وإيران الحديثتان إلى أقصى الغرب، ثم لم تعودا بعد عشرات السنين من مطاردة ذلك السراب إلا وهما تجرجران الفشل والخسران، وحصاد مرٌّ من أمراض الغرب ومآزقه الحضارية، ولا شيء من ثماره إلا الفتات والفاسد الرديء.
إن تفجير طاقات الإنسان تعني إجراء عملية شاملة لبنائه أو إعادة بنائه، وهي مهمة شاقة وطريق لا تخلو من المعاناة والإحباطات والآلام والدموع، إلى أن يكتمل تكوين الإنسان صاحب المبدأ أو الموقف في صورته النموذجية أو قريبا منها، إنها بالأصح عملية مركّبة تتكون من عدة بناءات:
أولها البناء العقدي: الذي يجعل وشائج انتمائه تتعلق بأمته وبهويتها، فيؤمن برسالتها وبمبادئها وبثوابتها التي تناقلتها أجيالها جيلا بعد جيل، ويستوعب مفاهيم عقيدته وتصوراتها، وتوشم في قلبه منجزات المثل والقدوات العليا وتضحياتهم، والذي يزيده تشبثا بتراب أرضه، والذي يصحح ارتباطه بالطبيعة ليتفهم كيف يتعايش معها، والذي يعْمُره بالإيمان لتسمو روحه حتى تصير أفعاله بعضا من صلاته وتراتيله، وليترفع عن ملذات الحياة ومفاتنها لا أن يصبح عبدا لما صنعه بيده.
ثم البناء الخُلُقي: الذي يزوده بالمخزون الأخلاقي والقيمي، ذلك المخزون الأعمق أثرا والأشد ثباتا والأجنى ثمارا كلما ارتقت مصدريته حتى تصل إلى الله، وكلما تأطرت معالمه واستبانت له مساراته المهنية والشخصية، وتغلغلت مفرداته في حركاته وسكناته، وعلى رأسها الاستقامة والأمانة والورع والإيثار.
* فالبناء النفسي: الذي يستشعر به الكرامة تجري لهيبا في عروقه، فينمو إحساسه بذاته واعتداده بنفسه، وتعلو همته، ويرتضي تبعات مسؤوليته التاريخية ولو لم يجد أحدا حوله يؤمن بمبادئه.
* فالبناء السلوكي: الذي يرسخ عنده احترام القوانين، واحترام حقوق الآخرين وحرياتهم، بل أن يتجاوز ذلك إلى استشعار قيمة المشاركة والترابط والتكامل معهم، والشفافية والصدق في بناء علاقاته بهم، والذي يعطيه إحساسا متألقا بقيمة العمل والوقت والإنتاج، وبقيمة المال لدرجة أن يجاهد رغباته وحاجاته الحياتية منه بالتوازن بين الادخار والاستهلاك والاستثمار.
فالبناء المعرفي والثقافي: الذي يزوده بالمعرفة والمهارة والذكاء مع إدراك أن القوة لا تكمن في امتلاك أسس المعرفة وقواعدها العلمية وحدها بل في تطبيقها، والذي يوقظ وعيه بالتحديات والأخطار التي تتربص به وبوطنه، فيتعرف على الفرص المتاحة والقدرات المتوافرة ومواضع العجز والقصور فيها، وتتضح أهدافه فيتخذ من التخطيط السليم قاعدة ينطلق منها إلى كل عمل ناجح.
*فالبناء الشخصي والعقلي: الذي يجعله متدفق العطاء كالنهر، طموحا وميالا إلى أن يكون متميزا في عمله، حريصا على الدقة والإبداع والابتكار في أدائه، والذي يجعله ملتزما بأداء واجباته قبل أن يسأل عن حقوقه، والذي يكرس عنده الثقافة المؤسساتية، والذي يضفي على قراراته صبغة التعقّل وتطويع تفكيره المنظم، والذي يفعّل دافعيته للتعلُّم المتواصل، والاحتفاظ بتصميمه وإرادته وجاهزيته ورفع مستوى الاعتمادية عليه لمجابهة التحديات التي تواجهها أمته.
وأخيرا البناء المادي: الذي يتيح له الاستظلال تحت دوحة العدالة، حيث تضيء سماءه شمس المساواة في الفرص وفي الواجبات والحقوق، وحيث يتنفس نسائم الحرية، والذي يروي عطشه، ويطفئ جوعه، ويمنح جسده القدرة على أداء واجباته، والذي يؤويه إلى مخدعه قرير العين آمنا خلف أسوار بيته ووراء حدود وطنه.
إذا صادفت هذه الوصفة منهجية في البناء، كانت مخرجاتها إنسانا يمتلك الحد الأعلى من الاستعدادات لبدء رحلة عطاء لا ينضب، بل تتخطى حواجز المستحيل وتصنع المعجزات، كمعجزة محمد الفاتح التي لم تنته بفتح القسطنطينية، بل ألقت بظلالها الأخلاقية عندما لم ينهب خيراتها وهي في قبضته.
ولم يدمرها ولم يسفك دماء أهلها كما هي شرعة الغزاة إلى يومنا هذا، بل عاد أهلها إلى بيوتهم الدافئة ليصبحوا فيجدوا مدينتهم عاصمة من عواصم العلم والإشعاع الثقافي؟ إنها إذن لمسة القيادة الراشدة، وهذه قصة أخرى، فاكتمال بناء نواة أو أكثر من أنوية الخلية لا يعني جاهزيتها لبدء الخطوة الأولى، فالمسيرة نحو الصفوف المتقدمة تعتمد في ابتداء حركتها.
وفي تناغم زخمها ووضوح وجهتها ومقدار سرعتها على عنصرين آخرين لا يقلان أهمية عن عملية بناء الإنسان نفسه، أما أحدهما فهو بناء القيادة المستقلة بإرادتها لا التي يتحكم فيها الآخرون عن بعد، بل تستمد شرعيتها وقوتها من التفاف الجموع من حولها ومن تلاحمهم معها، لا بمفهوم الراعي والرعية ولا بثقافة القطيع ولكن بمفهوم الدولة والمواطنة، لأنها قيادة نبتت في نفس التربة وتحمل نفس همومها وأحلامها.
وعندها من الحكمة الثاقبة ما تخترق به حجب المستقبل لتستشرف ما يحمل في طياته من المفاجآت، ومن رجاحة الرأي ما يؤهلها للإمساك بزمام مسيرة بناء الأمة، فتوزع الأدوار، وتستنهض الهمم، وتنقي الصف من الشوائب من المنتفعين والأنانيين، وترسم حدود إطار الأمة الأخلاقي وخطة طريق انطلاقتها. وأما العنصر الثالث فهو بناء المؤسسات الذي سنتعرض له في مقالة قادمة إن شاء الله.
كاتب إماراتي