كان تعثر العمليات العسكرية الأميركية في العراق سببا في حدوث مراجعة واسعة لمبررات الحرب وملابساتها، وطريقة إدارتها، ومراحل تطورها، واحتمالات نجاحها، وتداعياتها على الساحة الأميركية، وكيفية الخروج منها، وما إذا كان بالإمكان الخروج دون تحقيق النصر.

وبينما اقتصر الحديث لمدة تقارب السنتين على المختصين والمعنيين من رجال الكونجرس والأجهزة الحكومية المختصة، والعاملين في مراكز البحوث الإستراتيجية، تطور الحوار بسرعة بعد ظهور بوادر الفشل العسكري ليشمل العاملين في غالبية مراكز الأبحاث والعسكريين والإعلاميين.

وفي أعقاب صدور تقرير بيكر- هاملتون في أوائل شهر ديسمبر الماضي، وقيام الرئيس بوش بإعفاء وزير دفاعه من مهامه، بدأت جموع المثقفين والناشطين السياسيين والمتقاعدين من العسكريين والسياسيين تشارك بفاعلية في المداولات الجارية، وفي التنبؤ بالتوقعات المحتملة.

وبسبب كون الخبر هو أهم ما يعني الإعلام والإعلاميين، فإن الوضع في العراق، وخيارات أميركا حياله أصبحت المادة الأولى للمؤسسات الإعلامية والعاملين فيها. وهذا أعطى الإعلام والقائمين عليه دورا هاما ورياديا في إعادة تشكيل المواقف الشعبية على الساحة الأميركية، وفي تحديد الخيارات المحتملة عراقيا، والمتاحة لإدارة الرئيس بوش.

وبعد مرور حوالي الشهرين على نجاح الحزب الديمقراطي في استعادة سيطرته على مجلسي الكونجرس، وانقضاء شهر تقريبا على صدور تقرير بيكر- هاملتون، يمكن القول أنٍ الوضع على الساحة الأميركية ما زال عائما وغائما. إذ بينما يقول الرئيس بوش أنه لا يمكن التخلي عن العراق، قال وزير الدفاع الجديد روبرت جيتس إن الانسحاب من العراق دون تحقيق الأهداف المنشودة سيكون بمثابة شبح يلاحقنا لسنين طويلة قادمة.

ويبدو أن دعاة الانسحاب الفوري من العراق قد بدأوا يفقدون المؤيدين لوجهة نظرهم، وبالتالي الأمل في كسب المعركة الإعلامية، وأن دعاة رفع عدد القوات العسكرية في العراق بدأوا يكسبون المزيد من المناصرين لوجهة نظرهم. وفي الواقع، تميل غالبية المطالبين بالانسحاب من العراق، ومن بينهم العديد من الخبراء العسكريين والمتقاعدين من الجيش، إلى معارضة فكرة زيادة عدد القوات العسكرية في العراق لأسباب تتعلق بقدرات الجيش، وليس لأسباب تكتيكية أو استراتيجية.

إن تخيل حجم الفشل وتكاليفه السياسية والاستراتيجية في حالة حدوثه، وقيام أميركا بسحب قواتها العسكرية من العراق اعترافا بذلك، ربما كان العامل الأهم وراء تراجع حماس الكثيرين لفكرة الانسحاب الفوري، وتزايد التأييد للبقاء حتى تتحقق الأهداف المنشودة. ومن أجل تعزيز احتمالات «النصر»، أي جعل النصر في حدود الممكن، لجأ الرئيس بوش إلى خفض توقعاته،.

والتخلي عن هدف نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديد معنى النصر في تمكين العراقيين من حكم أنفسهم بأنفسهم، وصيانة وحدتهم، والدفاع عن وطنهم. ويبدو أن إدراك الرئيس لمدى العجز الذي يعانيه الجيش الأميركي في العراق، قد دفعه لاتخاذ تلك الخطوة.

وتشير آخر استطلاعات الرأي في هذا المجال إلى أن 70% من الشعب الأميركي غير راضين عن إدارة بوش للحرب. وربما كان هذا أيضا سببا في اعتراف الرئيس لأول مرة يوم 20-12-2006 أن أميركا لا تربح الحرب، إذ قال، «إننا لا نربح الحرب، ولا نخسر الحرب».

أشار تقرير «لجنة دراسة الوضع في العراق»، أي تقرير بيكر- هاملتون، إلى أن أميركا تخسر الحرب، وأن الوضع خطير وفي حالة تدهور، وأن حل المعضلة العراقية هو حل سياسي وليس عسكريا. وقبل مرور أسبوعين على صدور ذلك التقرير جاء تقرير وزارة الدفاع الأميركية ليؤكد ما جاء في التقرير المشار إليه أعلاه.

وبالتالي ليعترف بأن إدارة الحرب كانت فاشلة. وفي ضوء خطورة الوضع، وتصاعد عمليات المقاومة، واتساع نطاق العنف الطائفي في العراق، بدأت النظرة التشاؤمية تطغى على غيرها من نظرات ونظريات. ولذلك قال العديد من المتنفذين والمعنيين أن التغييرات المقترحة والمحتملة في استراتيجية الحرب تأتي اليوم متأخرة.

وربما بعد فوات الأوان. وهذا يعني - من وجهة نظر هؤلاء - أن الأمل في تحقيق نصر عسكري أصبح ضعيفا للغاية، وأن البحث عن مخرج من العراق يكفل إمكانية إعلان النصر دون تحقيقه فعليا، يبدو الخيار الوحيد للإدارة الأميركية. لقد اتصفت هذه الإدارة، ومنذ يومها الأول، بالجهل والعنجهية.

وجاءت الحرب في العراق لتضيف إلى رصيدها الفاشل صفة جديدة هي العجز. وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أن غالبية الشعب الأميركي لم تعد مقتنعة بأن مبررات الحرب كانت كافية، أو صدرت عن حسن نية وبناء على معلومات خاطئة، وإلى أن المغامرة العراقية لا تستحق التضحيات البشرية والمالية التي قدمتها ولا تزال تقدمها أميركا.

ولقد جاءت هزيمة الجمهوريين في الانتخابات التشريعية لتعزز هذا الموقف الجماهيري، وتقوم في الوقت ذاته بإعادة ترتيب مراكز القوى العقائدية المهيمنة على الحكم والمجتمع، بما يكفل إضعاف مواقع قوى التطرف وتعزيز مواقع قوى الاعتدال. وهذا من شأنه في حالة استمراره على المدى الطويل أن يحدث تغيرا كبيرا، وربما جذري في الفلسفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المسيطرة على المجتمع الأميركي، والمتحكمة في عقلية صانع القرار فيه.

إن خوف الأميركيين عامة من الإرهاب يجعلهم خائفين أيضا من احتمالات تحول العراق إلى قاعدة إرهابية، تقوم باحتضان المقاتلين وتدريبهم وتوفير المال والسلاح والدعم اللوجستي لقيامهم بأعمال إرهابية ضد أميركا وحلفائها الغربيين. وفي الواقع ، يبدو أن حدوث مثل هذا الاحتمال قد أصبح هاجسا مخيفا وشبحا مرعبا يلاحق كل مسؤول وخبير استراتيجي أميركي.

خاصة في ضوء تكشف محدودية قدرة القوات العسكرية الأميركية على خوض حرب طويلة الأمد. إذ تقول الدراسات والتقارير البحثية إن وزير الدفاع السابق ، دونالد رامسفيلد، عمل على إعادة بناء الجيش الأميركي ليكون مستعدا لخوض حرب سريعة يحقق فيها نصرا كبيرا بالاعتماد على تكنولوجيا السلاح الحديثة، واستخدام العنف بالقدر المطلوب لتحقيق الهدف بأقل الخسائر البشرية..

وهذا ما حدث بالفعل في عام 2003 أثناء غزو العراق، حين قام الأميركيون بتدمير البنية التحتية والقواعد العسكرية العراقية، وهزيمة الجيش العراقي وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين. لكن مثل هذا الجيش لا يملك إمكانيات خوض حرب عصابات طويلة الأمد على عدة جبهات، يصعب تحديدها وتقييم خطورتها، وبالتالي التعامل معها بنجاح.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com