ينظر العرب والأجانب إلى «لبنان» على أنه «عالم قائم» بذاته: هو «عربي» ولكن «على طريقته»، وهو «غربي» وإنما بحدود، وهو «أممي» بالرغبة لا بالأمر.. وفي كل الحالات فإن الدول والهيئات والمؤسسات تتعاطى معه على أنه من نمط فريد، وأنه «استثنائي» بتركيبته السكانية وتلاوينه السياسية التي لها ـ بغالبيتها ـ جذور طائفية تبنى عليها مصالح اقتصادية وزعامات ووجاهات من طراز خاص.
كذلك فإن العرب والأجانب ينظرون إليه على أنه «مختبر»، وطالما تصرفوا معه وفيه كحقل تجارب واختبارات لمواقف وسياسات، ما يفشل فيه يطوى لاستحالة تعميمه، وما ينجح فيه يعتمد كخطة للتحرك..
بهذا المعنى فقد تعوّد اللبنانيون أن يكون وطنهم الصغير، عند احتدام الصراعات، «حقل رماية»، بالشعارات والمناهج والدعايات وحملات الترويج ومنابر لنشر «الدعوة» واستكشاف ردود الفعل، في بلد غناه في تنوعه المعقد الذي يختلط فيه السياسي بالديني والفكري المعاصر بالموروث الثقافي وتمسكه بوضعه الخاص بانفتاحه غير المحدود على التيارات السياسية والفكرية والثقافية التي تبدو ـ للوهلة الأولى ـ وكأنها تتهدده بثورات أو انقلابات غير محسوبة، لكنه يستوعبها ويمضي يطلب الجديد... لتجريبه، ولو بكلفة عالية!
وها هو لبنان يعيش واحدة من لحظات الاحتدام بين مشروع أميركي لم يحقق النجاح المأمول، وبين طبائع الأشياء في هذه المنطقة التي كثيراً ما يشكل الماضي بعض ملامح مستقبلها.
أخطر ما في هذه اللحظة أن «الطرف العربي» يكاد يكون غائباً، أو فلنقل إنه بلا تأثير واضح على الأحداث، إلا بردة الفعل. لم يعد العرب طرفاً مقرراً، أو ذا وزن حاسم، في ما يقرَّر لمنطقتهم، بدولها الكثيرة، بأعلامها وخلافاتها والضعيفة بقدراتها الذاتية، وإن تعاظمت دخول بعض أطرافها فبلغت أرقاماً فلكية.
هكذا وبكل بساطة صار أي تحليل سياسي يبدأ وينتهي باللازمة التي تقول: «علينا انتظار نتائج الصراع الأميركي ـ الإيراني»، وقد تضاف سوريا إلى «المحور الإيراني» كونها ذات صلة مباشرة ودور مؤثر في لبنان، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ومع انهيار العراق تحت الاحتلال الأميركي، ومحاولة تغطية «فشل» المحتل بإشعال نار الفتنة في أرض الرافدين، صارت الفتنة بذاتها سلاحاً جديداً في يد هذا الاحتلال الأجنبي، فدأب على تغذيتها خصوصاً وأنه قد اكتشف أنها أشبه بنار يمكن أن تمتد في هشيم الأوضاع العربية القلقة والمستضعفة فيتهددها جميعاً بخطر الانهيار.
لكن الإدارة الأميركية تريد «فتنة مدجنة ومحمولة» يمكن نقلها إلى أقطار دون غيرها، ويمكن تحييد أقطار أخرى عن نارها، وهذا هدف يصعب تحقيقه، إذ أن الحاضر سيتداعى أمام موروثات ماضي الفتن الكبرى التي سبق لها أن مزقت «الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية» وجعلتها أثراً بعد عين.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تريد «خطر الفتنة» في لبنان، من دون تفجيره، وتريد «الفتنة» في أرض السلطة الفلسطينية مطلقة، وتريدها محدودة في بعض أقطار الجزيرة والخليج، للترهيب وابتزاز المواقف ليس إلا..
ربما هذا ما يفسر بعض التحوّل الذي بات ملموساً في موقف الإدارة الأميركية مما يجري في لبنان، إذ اكتشفت ـ على ما يبدو ـ أن الفتنة ستكون هائلة بحيث لا يمكن استيعابها، وبالتالي لا يمكن توظيفها... بينما قد يكون التلويح بها كخطر محتمل وجدي كافياً لتحقيق الأهداف المبتغاة منها.
وفي حين يطلق جيش الاحتلال الأميركي طائراته الحربية في سماء بغداد، فتدك أحياء من عاصمة الرشيد تحت عنوان «ضرب الإرهاب ومصادر الفتنة»، فإن هذا الاحتلال نفسه هو الذي سمح بمحاكمة صدام حسين على جرائمه الصغرى دون جرائمه القومية والوطنية التي التهمت ملايين العراقيين في مختلف أنحاء وطنهم الذي ظل في أسر دكتاتوريته عقوداً... ثم أن هذا الاحتلال هو الذي سمح بإعدام صدام حسين في الظروف المريبة ووسط الأجواء الثأرية التي حولته إلى «شهيد»، خصوصاً من خلال توقيت التنفيذ!
إنه يطلق الفتنة ويشجعها ويحميها فإذا اطمأن إلى أن نارها قد استعرت تدخل في محاولة لحصر الحريق في النطاق الذي يخدم مصالحه. إذا صحت هذه التوقعات أمكن الاستنتاج أن ثمة احتمالاً لانفراج ما يكسر الحلقة الجهنمية التي حوصر فيها لبنان منذ حوالى السنتين، والتي ضاقت حتى كادت تخنقه بعد الحرب الإسرائيلية في تموز الماضي.
ومع هذه التوقعات تبدو الساحة الفلسطينية هي المرشحة لأن تكون «أرض الدم» بالأمر الأميركي المباشر، وقد تقدمت على الساحة اللبنانية في جدول أعمال الإدارة الأميركية.
قد تكون فرصة للبنانيين، إذا ما كانت قياداتهم قد وصلت إلى الاقتناع بأن لبنان هو لبنان، ليس القرار فيه لواحد أحد، ولا لجماعة من أهله دون سائر الجماعات، وبقدر ما يتيسر أمر التفاهم الداخلي يضيق هامش التدخل الأجنبي، والعكس بالعكس.
طلال سلمان