سياسة مصر الثابتة إزاء منطقة القرن الإفريقي واضحة ومستمرة منذ عشرات السنين. إن هذه المنطقة مهمة جدا من الناحية الاستراتيجية, ليس علي النطاق الإفريقي فحسب, بل علي نطاق أمن وسلامة العالم كله, وهذا ما أوضحه الرئيس حسني مبارك أمس خلال لقائه برئيس إريتريا آسياسي أفورقي.
وتتمثل هذه السياسة في مبدأ أساسي حاكم لغيره من المباديء, هو أن استقرار هذه المنطقة يتحقق من خلال احترام سيادة الدول علي أراضيها وعدم استخدام القوة في حل المنازعات, وفي هذا الإطار جاء إعلان الرئيس مبارك خلال مشاوراته مع الرئيس أفورقي عن أن مصر تسعي لدي الأطراف الصومالية المختلفة لتدخل جميعا في حوار يضم كل الفصائل في هذا البلد بحيث يتفق الجميع بالتراضي, وليس بقوة السلاح, علي ما ينبغي عمله لتحقيق السلام. ومن هذا المنطلق أعلنت مصر رفضها عودة أمراء الحرب, لأن الحرب المستمرة منذ أكثر من15 سنة هناك أثبتت فشلها الكبير في حل أي مشكلة, وبالتالي فليس من الحكمة أبدا الاستمرار في الحرب. فليجربوا الحوار.. لعل وعسي!
أيضا من بين المباديء الحاكمة لرؤية مصر لكيفية حل الصراع الصومالي ـ الصومالي إمكان نشر قوة إفريقية لحفظ السلام علي ألا تشارك في هذه القوة أي من دول الجوار الصومالي منعا لتأجيج المشاعر وإيقاظ ميراث الثأر والعدواة. وكذلك فإن من المهم جدا الآن ـ حسبما تري السياسة المصرية ـ تهيئة المناخ والأجواء لتسهيل انسحاب القوات الإثيوبية من الأراضي الصومالية, ومعلوم أن رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي أعلن أخيرا أن قواته لن تبقي في الصومال إلا لأسابيع قليلة, وهنا تبرز أهمية تمهيد الأرض لإثيوبيا حتي تنسحب.
وفيما يتعلق بتهدئة الأوضاع بين الدولتين الجارتين إثيوبيا وإريتريا, فإن من بين أولويات السياسة الخارجية المصرية دائما ضمان تحقق هذا الهدوء واستمراره حقنا لدماء شعبي البلدين من ناحية, وتحقيقا لأمن البحر الأحمر والخليج والقرن الإفريقي من ناحية أخري.
وهنا فإن مصر تطالب مجلس الأمن الدولي دائما بضرورة التدخل بشكل مباشر طالما أن الدولتين غير قادرتين حتي الآن علي حل المشكلات بينهما بشكل جذري, وكان المجلس قد طالب في الماضي بضرورة تنفيذ القرارات المتعلقة بترسيم الحدود بين البلدين.
إن نزع فتيل الأزمة بين البلدين الجارين أولوية من أولويات سياسة مصر المستقرة في القرن الإفريقي وهذا أمر ثابت.
وكما هو معروف فإن أي دولة تضع مباديء سياستها الخارجية حسب مقتضيات أمنها القومي ومصالح شعبها وضروراتها الاقتصادية.. ومصر ليست استثناء من هذه الحقيقة, ومن ثم فإن أمن مصر القومي يقتضي دائما بقاء الاستقرار في الدول المجاورة لها, وكذلك الدول التي يأتينا منها نهر النيل( شريان الحياة لمصر كلها), وبناء علي هذا فإن سعي مصر المستمر لتحقيق الأمن في منطقة القرن الإفريقي هو أولوية مصرية منذ الأزل.