كان موقف رئيس وزراء إسرائيل أمام الرئيس محمد حسني مبارك في شرم الشيخ نهاية الأسبوع الماضي موقفا لا يحسد عليه، ففي حين كان محور القمة هو السلام كان الجيش الإسرائيلي يقتحم رام الله ومدنا فلسطينية أخرى ويغتال الشباب. ولكن هذه المرة كان الرأي العام العالمي شاهدا على المفارقة الصارخة بين أولمرت الدبلوماسي والمفاوض في المنتجع المصري وبين الحقيقة الإرهابية لممارسات دولته على الأرض الفلسطينية المحتلة.

وبدأت بعض أقلام المثقفين اليهود المعروفين بولائهم لإسرائيل هنا في أوروبا وهناك في إسرائيل ذاتها ومن الولايات المتحدة ترتفع لإدانة السياسة الهمجية التي لا تقطع رجاء السلام فحسب بل ربما تؤدي في النهاية إلى انقراض إسرائيل.

وهذا التحول في الضمير اليهودي ينبئ ما يشبه الصحوة على حقائق ميدانية جديدة أبرزها الهزة السياسية بقوة سبعة على سلم ريشتر السياسي والمتمثلة في هزيمة الآلة العسكرية الإسرائيلية في شهر أغسطس الماضي في لبنان وانقلاب الكثير من المنظمات الأممية والإنسانية في عقر ديار الغرب على اسرائيل بسبب الفظائع المرتكبة في حق الأبرياء وبسبب الفرص الضائعة على طريق السلام.

وقد تكرس هذا التحول داخليا مع صدور تقرير الجامعة العبرية في تل أبيب حول تقهقر قوة الردع الإسرائيلي وكذلك في إقدام الصحف الإسرائيلية على التشكيك في بقاء التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي خلال العشرية القادمة، كما تكرس خارجيا في عديد الكتابات اليهودية الأقرب للنزاهة ومقالات رجال أميركان كانوا صناع قرار وأصبحوا صناع رأي مثل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي اتهم اسرائيل بممارسة التمييز العنصري في كتابه الصادر أخيرا تحت عنوان:

فلسطين، السلام وليس التمييز العنصري. وعمر الرجل اليوم 82 عاما وكان هو الذي نظم مفاوضات كامب ديفيد التي أسست للسلام بين مصر وإسرائيل ثم بين العرب وإسرائيل عام 1978 وجاء هذا الموقف الشجاع من رئيس سابق للولايات المتحدة إلى درجة أن الرئيسة الديمقراطية الجديدة للكونغرس نانسي بيلوسي أعلنت البراءة من أفكاره وقالت إن كارتر لا يعبر عن رأي الحزب الديمقراطي. و في الكتاب إدانة لسياسة سماها كارتر بممارسات هيمنة الأقلية ضد الأكثرية بواسطة القهر والقمع في فلسطين وهو ضرب متقدم من التمييز العنصري ضد شعب بلا حقوق.

أما الأصوات الإسرائيلية التي قرأنا لها هذه الأيام على كبريات الصحف الفرنسية فهي تجمع على توجيه انتقادات جوهرية لسياسات بلادها وتعبر عن الخشية من انهيار الدولة الهشة التي تأسست بقرار من منظمة الأمم المتحدة. ولعل أبلغ هذه الأصوات ما نشرته صحيفة لوموند الباريسية يوم 29 ديسمبر للأستاذ زيف ستارنهيل أستاذ التاريخ بالجامعة العبرية بالقدس وكان نشر نفس المقال في صحيفة هاأرتس بعنوان: أي حدود لإسرائيل؟

ويتساءل الكاتب عن مصير السلام ومصير إسرائيل في حالة راهنة منافية للقانون الدولي وهي حالة غياب أية حدود لدولة إسرائيل. ويقول الباحث بأن الخط الأخضر الناتج عن احتلال الأرض الفلسطينية لا يمكن أن يشكل حدودا لاسرائيل، لأن هذه الحدود رسمها منطق القوة والايديولوجيا ولا يرتكز على واقع ولا حق ولا اتفاق، وبالتالي ستظل إسرائيل مهددة ومفتوحة وخارجة عن القانون الدولي.

والصوت الإسرائيلي الثاني الذي يندد بدولته هو الكاتب أموس أوز ونشرت له صحيفة ليبراسيون الباريسية يوم 20 ديسمبر تحليلا بعنوان: اسرائيل لم تتعلم شيئا! ويقول الرجل إن اسرائيل رفضت مرتين اليد العربية الممدودة بالسلام. ويرى الكاتب بأن الحل الذي يتقدم به العرب والمتمثل في مبدأ الأرض مقابل السلام هو الحل الذي ترفضه اسرائيل معتمدة على التفوق العسكري الذي يبقى غير مضمون، وهو الخطأ الذي يهدد كل بقاء اسرائيل كدولة في الشرق الأوسط.

والصوت الإسرائيلي الثالث نشرت له صحيفة لوفيجارو الفرنسية يوم 28 ديسمبر هو المثقف الفرنسي من أصل يهودي والمتحمس عادة لمناصرة اسرائيل وهو الكاتب مارك هالتر الذي اختار عنوان مقاله كالتالي: اني أعترف اليوم بأني أخاف على إسرائيل، وملخص تحليله أنه لا يفهم لماذا تعرقل اسرائيل مسار السلام المؤدي إلى تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة والبقاء والسلام؟

أن ما ذكرناه من اراء اسرائيلية يفيد بأن شيئا عميقا يتغير في الرأي العام الإسرائيلي والغربي أمام همجية السياسات الخطيرة لاسرائيل، وهو تحول مبارك لا دخل للاعلام العربي فيه لأننا لا نزال نتخبط في همومنا ولا نتفق على خطة عربية، كأن مصيرنا لا يعنينا !

alqadidi@hotmail.com