الكثير يتساءل لماذا العرب هكذا وكيف وصلوا إلى هذه الدرجة بعد أن ملكوا العالم وكانت اللغة العربية لغة العلم فاندثرت واندثروا معها. سنتطرق هنا إلى بعض ملامح الشخصية العربية التي تسيطر على مذهبية تفكيره ورؤية الأمور التي تحيط به وأسباب عدم قدرته على الارتقاء بمستقبله والذي تم ردها إلى عدم امتلاك عقله، وهكذا تم طرح بعض الأفكار لإعادة امتلاك العقل العربي.
من هو العربي؟ وما هي شخصيته؟ وغيرها من الأسئلة التي تداولت منذ عقود من الزمن إلى أن انتهى الإجماع بين المفكرين العرب إلى أن العربي هو كما يرى نفسه ويراه العالم ( الغرب) شخص ينطق باللغة العربية ويدين بالإسلام ويقطن بلاد العرب، وأما شخصيته فهي مركبة ومتأصلة من البداوة والقبيلة منذ الجاهلية والتي أطفأتها روح الإسلام وهذبتها وفتحت مجال الفكر والعلم لها حتى أصبح الغرب يستمد منها جدلية التنوير التي من خلالها انطلق الغرب نحو العلم والمعرفة.
هذا وقد أبرز ابن خلدون بأن العصبية التي يتحلى بها العربي تشكل أحد ركائز الشخصية العربية، والى الآن ما من عربي إلا يتحلى بهذه العصبية، إلا أن المشكلة الرئيسة التي يواجهها العرب الآن هي ان ملكية العقل العربي ليست بيدهم.
انهارت البوابة الكبرى بوابة العرب الشرقية بسقوط بغداد على يد هولاكو الذي رمى مكتبات العلم التي تبناها ورعاها المأمون في النهر معلناً بداية النهاية للحضارة العربية. كان الخوف والهوان الذي ادخلهُ في قلوب العرب ( الذين كانوا متأهلين لذلك) إضافة غير محمودة في النفسية العربية، وذكر في تاريخ العرب أن أحد التتار أعطى سيفهُ إلى عربي إلى أن يرجع إليه ويقتله، ومن الهوان وقوفه في مكانه ليٌقتل، ويسأل البعض إن كنا في عهدنا هذا قد وصلنا أو اقتربنا من ذلك الهوان؟
سقطت بغداد مرة أخرى في يد الأتراك على منهج الإسلام وبعد بضعة قرون برز منهج التتريك وكان شيوخنا الأفاضل في الشام رحمهم الله قد فضلوا إدخال «القومية العربية» لمواجهتها ومنذئدٍ تأصلت القومية في الشخصية العربية، أما معاهدة سايكس بيكو 1917 فأدخلت العرب في نهج استعماري وأبرزت «الوطنية العربية» لمواجهتها وجاءت بعدها حقبة عقدة التميز الأجنبي التي أدت بالشخصية إلى التسليم بدرجة متدنية دون الأولى والثانية .
وأن كل ما هو أجنبي مرغوب ويعتمد عليه، وكان من أطرف ما سمعه الكاتب أن أحد الخبراء العرب ذهب إلى احد الوزراء ليطرح له خطة تنموية مكتفياً براتب صغير، إلا انه طٌرد من مكتب الوزير، فهاجر إلى أمريكا فإذا إعلان من وكالة للأمم المتحدة تعلن عن وظيفة في اختصاصه فشغرها، وبعدها دخل هذا الخبير العربي على نفس الوزير فارضاً عليه برنامجه التنموي بعشرات أضعاف الراتب، وهكذا أتت السلطوية والسيادة على الشخصية العربية تركة من تركات الاستعمار.
مرة أخرى دخل الهوان في لعبة الشخصية العربية وشكل جرحاً كبيراً والذي منذٌ عام 1947 والى أجل غير مسمى مازلنا ندمي دماً، وبسقوط بغداد للمرة الثالثة اتجه النقاش والجدال عن الذي حدث؟ والى أين نحن ذاهبون؟ وما سيكون نوع التهميش الجديد للعرب؟ وهل ستأتي رسالة جديدة تصل إلى الصميم العربي لتوحدهم لهدف واحد؟ وهل هذا سيكون كافياً للخروج من مآسيهم ؟ إن نتاج هذا سيكون في حضن المستقبل ولعله يكون لصالحنا.
الوعي العربي يشكل الانطلاقة الأساسية لفهم المستقبل العربي، والوعي ببعض التركيبات التي تسيطر على مفهوم القيم للعقل العربي يجب وضعها أيضا في قالب أخر، قالب الفلسفة الذي يشاركها منه البشرية جمعاء، وهذا منذ الدولة الفاضلة لأفلاطون والى الاقتصاد الكلاسيكي الذي تزعمه من جهة كارل ماركس ونظريتهٌ حول الطبقة الاجتماعية والمعروفة الان بالاشتراكية.
ومن جهة أخرى أدم اسمث ونظريته اليد الخفية «السوق الحر» والتي تعرف بالرأسمالية، وغير ذلك من هذه الفلسفات التي تتجه كلها إلى شئ واحد هو الوصول إلى نهاية المطاف، بمعنى أخر تدعو إلى نظام واحد (قفص واحد)، وبعد ذلك ماذا يحدث؟
ومن أول من كتب في ذلك الفيلسوف جان بياجي، فهو يرى أن الأخطاء التي ارتكبها الفلاسفة في موضوع المعرفة والذي جعل أراؤهم فيها تبقى عقيمة غير منتجة وغير مواكبة للتطور، هو أنهم كانوا ينظرون إلى المعرفة كواقعة نهائية وليس كعمليةٍ تتطور وتنمو.
وهكذا فان علينا أن نسابق سراب المعرفة التي كلما وصلنا إليها بعدت عنا، أما الدكتور أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل عام 1999 فقد أخذ عنه بأننا نستطيع (العرب) خلال خمسين سنة الوصول إلى المرتبة العلمية التي يتحلى بها الغرب، مَن من العرب يعي ثقل هذه المقولة؟
النظام المغلق يسقط والنظام المنفتح يحاول إعادة النظر في مفاهيمه ليتشبث بمستقبله. إن أي فلسفة أو أيدلوجية لا تسمح بالتطور والإبداع والارتقاء فعليها السلام، والعقل البشري لا يستطيع التوقف عن الإبداع والتطور، فإن منع من ذلك كانت النتائج مدمرة، ولهذا وأولاً وللوصول إلى العقل العربي وامتلاكه وللخروج به مما هو فيه فإنه يحتاج إلى تلك الدرجة من الثقة والثبات بالنفس، نعم:
«اني أستطيع فقد عملت ورأيت نتاج عملي». إن درجة مصداقية العقل العربي أصبحت تحت الصفر فعلياً ولذا فانه يريد أن يراها بعد العمل عليها ترتقي وتصبح جاهزة أمام عينيه وملموسة بين يديه مصدقاً بأن ذلك هو الكلام الموثوق( العمالة، المدارس، الخدمات الصحية والاجتماعية).
وهكذا فالعمل والتوصيل والإعلان عن الإنجاز هو السبيل الوحيد والأول للوصول إلى العقل العربي. إن الوعي مفتاح العقل العربي، فكيف سيستجيب إن لم يكن يعرف، فالإنجاز يجب أن يركب على رسالة بسيطة وثاقبة يفهمها العادي والعالي وتشق طبقات المجتمع العربي من شرقه إلى غربه، إنها حقاً لهجة الجماهير التي تريد أن تشهدها وتسمع إنجازاً تلو الأخر:
برامج تنفذ ووعوداً تحقق. إن العالم يحتاج إلى العرب ليلعبوا دورهم المهم والقيام بالمبادرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية في النظام العالمي، ليس هناك مكان لشخصية عربية مهمشة مكسورة. إن العقل العربي عقلنا فلنمتلكه.
كاتب إماراتي