مصادفة ملفتة ومعبِّرة: وزير الدفاع الإسرائيلي يطرح على حزب ـ العمل مبادرة «سلام» جديدة مع الفلسطينيين. في اليوم ذاته تتقدم ثماني منظمات حقوقية بالتماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، تقول فيه إن قيادة الجيش توفر أرضية قانونية لتكريس نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين في أبشع صوره».

رأس المؤسسة العسكرية يتشدّق عن السلام؛ فيما مرؤوسوه يمارسون ويرسّخون سياسة عنصرية شديدة العداء والتفرقة ضد من يزعم رئيسهم بأنه يسعى إلى «السلام» معهم! بل أن بيرتس يحرص على ترك الانطباع بأنه مستعجل في مسعاه هذا. فهو يدعو إلى اعتماد خطة من ثلاث نقاط:وضع سياسة أمنية واقتصادية جديدة؛ يكون بند تبادل أسرى من ضمنها.

التفاوض حول مبادئ الوضع النهائي؛ وذلك خلال 6 أشهر. ثم التفاوض على تفاصيل الوضع النهائي.

الفصل بين المبادئ والتفاصيل، لم يشرحه الوزير. وليس في ذلك أقل من عود على بدء. أي عودة إلى الدّويخة من بدايتها. وكأن جولات المفاوضات الممتدة على مدى أكثر من عقد، لم يسبق أن سلكت هذا الطريق؛ الذي جعلته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مجرد تمرين في العبث والدوران الفارغ. لكن إذا عرفنا أن بيرتس قادم على انتخابات لرئاسة حزبه وينافسه فيها أربعة مرشحين؛ عندئذٍ ندرك لماذا تفتّقت قريحته عن مشروع يريد منه ورقة يتميّز بها عن منافسيه؟ وإلا لو كان على شيء من الجدّية كان حرياً به، قبل أن يطرح مبادرات سلمية، أن يلجم جيشه ويخفف من غلواء تعامله العنصري مع من يدّعي بأنه يعمل للسلام معهم.

المنظمات الحقوقية أشارت إلى عدة قرارات عنصرية اتخذتها قيادة المنطقة الوسطى منها «عدم السماح للفلسطينيين في الضفة الغربية بالتحرك على معظم الشوارع الكبيرة، التي جرى تخصيصها للمستوطنين فقط». طبعاً بحجة توفير الأمن لهؤلاء، كذلك فرضت هذه القيادة على السكان الفلسطينيين «سلوك طرق جبلية ورملية وعرة».

في تحركهم وذلك بسبب الحظر على استخدام العديد من الطرقات ناهيك عن مواصلة «توفير الأجواء» التي تسمح للمستوطنين بارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين. وآخر هذه النماذج كان «الحظر الذي فُرض على الإسرائيليين والأجانب، أن ينقلوا في سياراتهم فلسطينيين داخل أراضي الضفة.

ولا شك أن مثل هذه الممارسات باتت نمطاً شائعاً في التعامل؛ وإلا لما كانت حملت منظمات الحقوق على اتخاذ الإجراء القانوني ضدها. وهي ليست الجهة الوحيدة التي ترفع الصوت ضد النظام العنصري الذي بدأ يتأسس في الأراضي الفلسطينية.

فالرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أفرد كتاباً للحديث عن مثل هذا النظام، بعنوان «فلسطين: سلام وليس عنصرية»؛ صدر قبل عدة أسابيع وقامت إسرائيل والمنظمات الصهيونية في العالم، خاصة في الولايات المتحدة، قيامتها ضدّه. ولا تفسير لحملتها عليه إلا أنه سلط الضوء على حقيقة: تريدها إسرائيل أن تبقى محجوبة عن العالم.

وهنا لابد من العودة إلى الواقع الفلسطيني المفجع: العالم يطارد الممارسات الإسرائيلية المنتهكة لحقوقهم؛ في اللحظة التي يغرق فيها الفلسطينيون في التأهب للانقضاض على هذه الحقوق من الداخل. فهل هناك من يتأمل ويرتدع؟