أعلن نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء العراقي قبل فترة قصيرة عن الانتهاء من إعداد خطة أمنية لحماية بغداد، وجاء ذلك خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة والثمانين للجيش العراقي الذي تغيرت مهامه حالياً بشكل كبير عما كانت عليه زمن الرئيس الأسبق صدام حسين الذي أعدم في الثلاثين من ديسمبر الماضي، فهو لم يعد لغزو وتخويف الجيران.

وإنما لتوفير الأمن والاستقرار للعراقيين على اختلاف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية ولحقن دماء الضحايا البريئة التي تذهب بلا ثمن حتى من دون معرفة القاتل ولا حتى الهدف من قتلها بعدما اختلطت الأوراق بشكل عبثي على الساحة السياسية العراقية.

بدا المالكي وهو يقر باعتماده لهذه الخطة الأمنية قوي العزيمة، وانطلقت من لغته مع تعابير وجهه الغاضبة والجادة عبارات التهديد والوعيد بحق المخالفين الذين يصرون على حمل السلاح على اختلافهم، واعتبر أن هذه الخطة ستكون بدعم من القوى متعددة الجنسيات التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة لتوفير الدعم المطلوب لعناصر الأمن العراقيين.

ورغم أن البرلمان العراقي لم يوافق على هذه الخطة وانتقد المالكي انتقاداً شديداً ورفض الاعتراف بها مبيناً أنه لا يحق له الإنفراد بالإعلان عن مثل هذه الخطة دون الحصول على الشرعية البرلمانية .

ولاسيما مع الإعلان عن انتهاء حالة الطوارئ في العراق، ورغم أن المالكي يبذل كل ما بوسعه ـ ودون التشكيك بنياته ـ إلى القضاء على الفوضى العراقية الحالية التي لا تنذر بالخير أبداً إلا أن هناك مشكلة تواجه حكومة المالكي في ما يتعلق بترتيب الأولويات.

فالمشكلة تبدو وحسب الظاهر أنها أمنية وتحتاج إلى سيطرة، إلا أنها في العمق هي مشكلة سياسية حتى النخاع وما التداعيات الأمنية الحالية المتدهورة إلا نتيجة حتمية لتراكم الاحتقانات السياسية التي تتفرع إلى خيوط مختلفة منها الشيعي والسني والبعثي والكردي.

وغيرهم من الذين يبحثون عن وجود لهم بقوة السلاح في العراق الممزق، هؤلاء جميعاً لا يمكن فرض الأمن عليهم من خلال خطة لأنهم في ظل الوضع الراهن يجدون شرعية لأعمالهم، ويجدون بالتالي الوسائل التي تمكنهم من أن يكونوا قوة لا تضع اعتباراً للحكومة التي تعاني أساساً من اختراقات كبيرة وعدم قدرة على ضبط والتحكم في مجريات كثير من الأمور.

فالأهم من وضع الخطة الأمنية والإعلان عنها بدعم من قوات متعددة الجنسية والتي رأى فيها البعض أنها تمهيد قوي لدخول قوات أميركية جديدة للعراق، هو تحقيق الوفاق السياسي بين الفرقاء الذين يختلفون حالياً في النظر إلى الطريقة التي من الممكن أن تدار فيها دفة الحكم والسياسة، فضلاً عن وجود اختلافات طائفية استثمرها البعض بطريقة بغيضة ساهمت بتعميق التفرقة والآلام في الجسد العراقي الواحد.

والخلاصة من هذه الفكرة أن الأمن يأتي كنتيجة للوفاق السياسي وليس العكس فلا يمكن أن تحل المشكلات السياسية ببساطة بوضع خطة أمنية، لأن هذه القوة الأمنية مهما بلغت قوتها العسكرية لن تتمكن من تحقيق الأمن والاستقرار لأن الآخرين المختلفين سياسياً سيجدون فيها تنافساً وتحدياً لوجودهم وسيعملون على تعزيز قوتهم العسكرية أي اللجوء إلى مزيد من الاقتتال والعنف الطائفي.

فكان من الأولى أن تبقى الحكومة العراقية الحالية حريصة على اتخاذ موقف الوفاق السياسي والعمل على تحقيقه من خلال جمع الفرقاء على طاولة المصالحة الوطنية، والتقريب بين مصالح كل الفئات بما فيهم البعثيين الذين وعد المالكي بضمهم إلى الحكومة الوطنية والعمل معهم لتحقيق الاستقرار في العراق.

وهذا ما تمخض عنه مؤتمر المصالحة الوطنية العراقية الذي عقد مؤخراً، والذي رفضت فيه بعض القوى السياسية الوجود الأميركي في البلاد وطالبت بتحديد جدول زمني لمغادرتها العراق.

فالمشكلة السياسية الكبرى تكمن حالياً في هذه النقطة بالذات أي في اختلاف الآراء حول شرعية وجود القوات الأميركية في العراق وعدم وضوح الرؤية في تحديد الفترة الزمنية لبقائها، ولاسيما مع تعنت الرئيس الأميركي جورج بوش وعزمه على زيادة عددها رغم تحذيرات الكثير من العقلاء الأميركيين من هذه الاستراتيجية الفاشلة.

ومن هنا فإن استمرار القوات الأميركية في العراق بهذه الصورة المبهمة الحالية يعني فقدان الاتفاق على وحدة سياسية وطنية موحدة لتستمر معه حالة انعدام الأمن وبالتالي فشل الخطط الأمنية التي لابد للحكومة العراقية أن تضعها في مكانها الصحيح وفق سلم الأولويات السياسية الملحة لتحقيق الأهداف المرجوة.

Omrab_4@hotmail.com