كل الأصوات العربية والإسلامية المخلصة والواعية وكل الفصائل الفلسطينية الوطنية المناضلة تؤكد على «تحريم» الدم الفلسطيني بالسلاح الفلسطيني و«تجريم» الاقتتال الأهلي بين إخوة الكفاح «فتح» و«حماس» أكبر الفصائل الوطنية واعتبار أن توجيه السلاح إلى صدر أي فلسطيني من أي فلسطيني هو خط مكهرب ومميت لكل فلسطيني.

وتحذر اللاعبين بالنار سواء بالممارسات الفصائلية المارقة غير المسؤولة أو المندفعين إلى صب الزيت على النار بالتصريحات النارية الحارقة غير المسؤولة، من المنتسبين لأي من الحركتين من إشعال نار الفتنة، وحشد السلاح في الجبهة الخطأ، والتحول من المقاومة وقتال العدو المحتل إلى السقوط في فخ الاقتتال بين قوى الشعب المحتل.

وتجمع كلها على ضرورة استمرار الحوار الوطني للوصول إلى برنامج تحرير وطني مقاوم على أرضية الثوابت الوطنية المشتركة لتحقيق الوحدة الوطنية، وعلى خلفية القواسم السياسية المشتركة بين الحركتين الوطنيتين لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية ببرنامج سياسي لا يلبي الشروط الصهيونية الأميركية، ويتوافق مع الشرعية العربية والأممية.

وتعتبر أن الحوار هو البديل الوحيد عن الانفجار الذي لن يكون له من نتيجة إلا الانتحار، وان تحقيق الوحدة الوطنية هو الهدف الذي يصبح المساس به خطا أحمر يحرم تجاوزه، ومن أجله يجب حشد كل الوسائل الديمقراطية، هو شرط لا بديل عنه للقدرة على مواجهة الغارات العدوانية الإسرائيلية المستمرة على الضفة والقطاع على «رام الله» أو على «نابلس» أو على «غزة».

إن المشهد الفلسطيني المحزن الذي يسيء لقضية العرب الكبرى وينذر بأسوأ النتائج فيما لو تصلبت المواقف الفصائلية وتجمدت المبادرات العربية وانزلق الفتحاويون والحمساويون إلى هاوية المواجهة الدموية ـ لا قدر الله ـ هو مشهد ينبغي إسدال الستار عليه وتغييره وتجاوزه، بمشهد مسؤول جديد يسحب حشود المسلحين من الطرفين من نقاط الاحتكاك، ويخفض الأسلحة في مواجهة الشقيق ولا يرفعها إلا لمقاومة العدو.

إن ذلك يستلزم حكمة سياسية عالية على قاعدة التوافق الوطني من الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» وارتفاع إلى مستوى مسؤوليته الوطنية كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الأعلى من مسؤوليته الفتحاوية الفصائلية إذ هو الأكثر قدرة على احتواء المواقف حيث هو المسؤول الأول الذي سيتحمل مسؤولية النتائج، فهو الذي بمقدوره الآن أن يسحب فتيل الاشتعال أو أن يشعل فتيل الانفجار..

أولا بوقف الذي يجري وقطع الطريق على مثيري الفتنة والمتورطين فيها من الداخل، وكذلك على الذين يصبون الزيت على شررها لتعلو نارها ولتكبر شرورها من الخارج، وأظنه يعرفهم جيدا.

سحب فتيل الاشتعال ممكن بعدم الإصرار على تنفيذ قراراته الأخيرة المثيرة لمزيد من الخلاف بين الحركتين والباعثة على التساؤل حول هدف وظروف وتوقيت المسألتين المثيرتين للمواجهة، مسألة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة أو الموقف من القوة الأمنية التابعة للحكومة الفلسطينية فكلا الأمرين لا يمكن تنفيذهما إلا بتوافق بين الرئيسين الشرعيين رئيس السلطة الوطنية ورئيس الحكومة الفلسطينية.

والعودة لاستئناف الحوار إلى أي مدى والبناء على ما تم التوصل إليه من نقاط الاتفاق بين «عباس» و«هنية» وما تم تضييقه من نقاط للخلاف بالجهود المصرية الأمنية وبالمبادرة السياسية «للبرغوثي» والعمل على تطويره.. والمطلوب من حركة «حماس» ضبط للنفس إلى أقصى المدى، ومرونة سياسية واعية تستند على الثوابت وتتعامل مع المتغيرات وتسجيب بحكمة للتحديات.

إن المشهد الفلسطيني الحالي الخطير يمكن قراءته من زاويتين، الأولى ما هو مقرر من خارج فلسطين وبالتحديد من الطرف الصهيوني الأميركي الذي لا يريد وحدة وطنية فلسطينية ويريدها حربا أهلية تضيع القضية الفلسطينية وتمكن المحتل الإسرائيلي في ظل الشرق أوسطية من فرض شروطه كقوة إقليمية وحيدة لا يستطيع مقاومتها أحد.

والثانية ما هو مبرر من اختلاف الرؤى في الداخل الفلسطيني بين الفصائل الوطنية عبر مراحل النضال الطويلة على مدى تجاوز النصف قرن بما في ذلك المشكلة الحالية الناتجة عن التباين في الرؤى السياسية وعلاقات مؤسسات السلطة الوطنية الرئاسية والحكومية والتشريعية .

وفى ترجمة كل واحدة من هذه المؤسسات لثقافة النضال السياسي والحوار الوطني في ظل تفويضين شرعيين شعبيين لرئاستين، للسلطة وللحكومة باجتهادين سياسيين مختلفين في الغاية والوسيلة معا.

والمطلوب الآن مرة أخرى نرجو أن تكون الأخيرة من كل العقلاء إسدال الستار فورا على هذا المشهد غير المسؤول. والحل لن يكون إلا بالحوار، وحل مشاكل الحوار بالمزيد من الحوار، هذا هو الطريق، والبديل هو القبول بالانتحار!

mamdoh77t@hotmail.com