يزخر الواقع التربوي في المجتمعات المعاصرة بكثير من المواقف والمشاهد التي تكشف جوانب مهمة من الثغرات والخلل، أو من نقاط القوة التي تحتاج إلى تعزيز وتشجيع، ويجدر بنا، ونحن نتطلع إلى ترسيخ القيم التربوية الإيجابية في نفوس كل العاملين في الميدان، أنْ ندرك ما تعبّر عنه مثل هذه المواقف، وما تعكسه من تصورات يصدر عنها أصحابها، فيؤثرون، سلبا أو إيجابا في الواقع التربوي على اختلاف أشكاله ومستوياته.
وقد رأيت أن أعرض لجانب من هذه المواقف التي سمعتها من أشخاص يعملون في الميدان في الغالب، يروونها عن أنفسهم، أو عن أشخاص آخرين يعرفونهم، وهذه المواقف تحدث، كما أتوقع، يوميا، وإن كانت تتخذ لها، في كل مرّة شكلا جديدا، وذلك بحسب طبيعة السياق والأشخاص والظروف. ونستطيع أن ننظر إلى مثل هذه المواقف على أنها رسائل قصيرة تحتاج إلى من يهتم بها.
ويدرك حجم ما تنطوي عليه من مؤشرات تترجم واقعا يحتاج إلى الكثير من التأمل الصادق، والإصلاح الجريء الحازم الذي يضع المصلحة العامة فوق كل المصالح الأخرى. وسأعرض لهذه المواقف من دون تعليق أو تدخل: مديرة مدرسة تخرج من المدرسة لتناول وجبة الإفطار مع صديقاتها، وتقول للسكرتيرة: إذا سأل عني أحد فأخبريهم أنني في اجتماع.
معلمات يدفعن مبالغ تتجاوز الألف درهم لمكاتب متخصصة في عمل ملفات الإنجاز التي تطالبهم بها إدارة التوجيه.
مديرة مدرسة تقرر الاشتراك في جائزة حمدان للإدارة المدرسية المتميزة تجنّد جميع المعلمات في المدرسة من أجل العمل للجائزة، متجاهلة الأمور الأساسية، والمهمات الضرورية التي يجب على المعلمات القيام بها، من تعليم ومتابعة للطلاب، فتصبح المدرسة خلية نحل لا تكل ولا تمل من أجل نيل الجائزة فقط.
مكاتب منتشرة في كل إمارات الدولة تعلن عن استعدادها لعمل كافة البحوث لجميع المراحل وبأسعار مناسبة للجميع- تكتظ بالطلبة وأولياء الأمور الذين قدموا إليها من كل حدب وصوب يقدمون الطلبات، ويفاوضون على الأسعار.
طلاب دراسات عليا يدرسون في الخارج يدفعون ما يقارب 400 دولار أميركي لطلاب أجانب من أجل إنجاز بعض الواجبات الأسبوعية التي حددها الأستاذ. وأحد الطلاب الأجانب يسأل: إذا كانوا لا يريدون أن يتعلموا لماذا يتحملون مشقة السفر والغربة عن أهلهم وبلادهم؟
معلمة في رياض الأطفال تزورها الموجهة في إحدى الحصص، فيختلف أداؤها تماما عما ألفه الصغار، مما يجعل أحد الأطفال يسأل بصوت عال: لماذا أنت اليوم مختلفة يا معلمتي؟ وليّة أمر طالبة تهاجم إحدى المعلمات المواطنات، وتعتدي عليها، لأن الأخيرة كانت صريحة معها وأخبرتها بأنّ مستوى ابنتها يحتاج إلى اهتمام ومتابعة.
موجّه يصرّ بشدة على أن تغيّر المعلمة «وهي جديدة» علامات تلاميذها في الصف الأول، لأنه لا يمكن أن يرسب أحد في هذه المرحلة. والمعلمة تتساءل وهي حيرى: هل نحن نخدم التلاميذ بهذه الطريقة؟ وهل نستطيع أن نصف أنفسنا بالصادقين المخلصين؟
فتاة شابة تتصل بالإذاعة تطلب حلا لمشكلة أخيها الذي لا يعرف القراءة والكتابة مطلقا، وهو الآن في الصف الرابع الابتدائي. فيبادرها مقدم البرنامج قائلا: السؤال هو كيف وصل أخوك إلى الصف الرابع إذا كان لا يعرف القراءة والكتابة؟ ويبقى السؤال بلا جواب.
معلمة تقول لتلميذاتها إنّ هذا الكتاب «مهارات لغتي» غير مهم، وليس فيه فائدة. فيبدأ الصغار يرددون ما تقوله المعلمة، ويقولونه لأصحابهم في الصفوف الأخرى الذين يجيبون، وقد علت وجوههم الحيرة: نحن معلمتنا لم تقل لنا ذلك. معلمة تصرّح بأنّها لا تحب مهنة التعليم، ولا تطيق الصبر على مشكلاته، ولا تجيد التعامل مع الطلبة، ولكنها مضطرة للاستمرار في المهنة من أجل الراتب، وتختم كلامها قائلة: لست الوحيدة في ذلك.
موجهة تصرح قائلة: اكتشفت أنّ معظم المعلمات لا يعرفن أصول البحث العلمي. وتتساءل: كيف سيعلمن الطلبة هذه الأصول، وهنّ جاهلات بها؟
معلمة تكتشف أنها في زيارة إلى إحدى صديقاتها المعلمات قضت الوقت كله في مناقشة جادة حول رواية تدرس للصف العاشر، حيث طال الحديث شخصيات الرواية، والزمن، والأحداث، والصراع، والفكرة. تقول: حين كنت أقود سيارتي عائدة إلى المنزل اكتشفت أنّنا لم نتحدث عن الأزياء أو التسوق أو مشكلات البيت. شعرت أنني سعيدة وفخورة بنفسي حينها.
طفلة في الصف الثاني الأساسي تكتب «في الصف» نصا من اثني عشر سطرا، تصف فيه غرفتها مهتمة بالتفاصيل الصغيرة: لون الجدران، السرير، السجادة المنقوشة، صندوق الألعاب، النافذة، الستارة، طاولة الدراسة. مع ملاحظة أنّ النص كان خاليا من الأخطاء الإملائية والنحوية.
طفلة في الصف الثالث الابتدائي تحدث زميلاتها في درس المحادثة عن مكان زارته، فتقف تصف لهن ماليزيا، وكيف كانت سعيدة هناك مع أسرتها، وتصنع لوحة تعلق عليها بعض الصور. فتعلق المعلمة اللوحة في المدرسة، فتصبح صورة الفيل الذي يحمل الطفلة حديث الأطفال في المدرسة كبارا وصغارا.
أمّ تقول إنّ معلمة ابنتها أخبرتهم أنّ الكلمات جزء من حياتنا، وهي موجودة في كل مكان حولنا، ليس علينا فقط إلا أن ننتبه، فغدت الطفلة ترى الكلمات في كل مكان، وتسأل مثلا: كارفور فيه مد بالألف ومد بالواو. صح؟ برجمان فيه مد بالألف. هل برجمان كلمة عربية؟ وبعد الصلاة تأتي راكضة تسأل: أعوذ فيها مد بالواو. صح؟ ومرة تدخل على أمها الغرفة، وتقول: أمي، هل تعرفين أنّ كلمة (إمارات) فيها مد بالألف ومد بالألف؟
معلمة تقضي الليل ساهرة تصمم أوراق عمل جذابة لتلميذاتها، وتقضي حصة رائعة معهن، وتقول: كل الإحساس بالتعب والإرهاق تلاشى، وأنا أرى تفاعلهن معي، واستمتاعهن بالحصة والدرس.
معلمة ترسل رسالة قصيرة تشكر فيها الجهود المخلصة التي أنتجت الأقراص المدمجة للأناشيد في منهج اللغة العربية، وتقول: إنها رائعة. ومعلمة أخرى تقول: إنها مضيعة للوقت.
وبعد، فهذه مشاهد مختلفة، بعضها حدث قبل سنتين، وبعضها حدث قبل أيام، ولكنها كلها مشاهد واقعية، ينطق بها الميدان التربوي الذي فيه من التجارب الناجحة ما يستحق حقا الثناء والتقدير، وفيه من المواقف السلبية ما يستحق الوقوف طويلا عنده، ودراسته، ومعرفة أسبابه، ومعالجته علاجا لا يعرف المجاملات والنفاق وتزوير الحقائق.
من أجل جيل الغد نحتاج أن نصدق مع أنفسنا ومع الآخرين. نحتاج أن نتحلى بالشجاعة والأمانة والحزم والعزم لكي يبنى غد الصغار الواعدين على يد مربين يجدون في مهنة التعليم رسالة عظيمة، تشكل جزءا من كيانهم وطموحهم وسعادتهم.
جامعة الإمارات
ltfibrahim@yahoo.com