اشتكى العديد من العائلات في بعض المناطق السكنية في مدينة العين من قيام بعض المواطنين بتأجير مساكنهم الشعبية للعزاب بعد انتقالهم منها، وطالب السكان المتضررون السلطات المحلية بالتدخل لمنع تزايد هذه الظاهرة. ويبدو للقارئ أن الحديث عن هذه المشكلة هو نفسه ذلك الحديث الذي تناولنا فيه الأزمة نفسها التي عانى منها سكان إمارة دبي في السابق قبل تدخل بلدية دبي لوقف هذه الظاهرة وسلبياتها التي أثرت كثيرا على سكان بعض المناطق من العائلات العربية والمواطنة.
إقامة العزاب في مساكن بين العائلات مشكلة ربما تطل علينا برأسها بين وقت وآخر طالما أن الاهتمام بالأحياء الجديدة يفوق الاهتمام بالأحياء القديمة، وطالما أن هناك ملاكا لا يكترثون بجيران تركوهم في تلك الأحياء القديمة، فيؤثرون مصالحهم الشخصية على راحة من كانوا يوما جيرانهم فيؤجرون مساكنهم لعزاب.
إن المشكلة التي يعاني منها سكان الأحياء القديمة في مدينة العين وغيرها ليست بالأمر الذي يستهان به لأن العزاب عندما ينتقلون إلى أحياء العائلات ينقلون معهم مشكلات اجتماعية وأخلاقية تجعل العائلات في حالة قلق دائم على أطفالها، بالإضافة إلى أنهم لن يشعروا بأمان طالما أن هؤلاء العزاب يسكنون بينهم.
قضية الأحياء القديمة لابد وان تعالج من الجذور من خلال قوانين وضوابط إنسانية واقتصادية واجتماعية وبيئية صارمة تضعها البلديات والجهات الأخرى المعنية. قوانين لا تمنع المالك من تأجير منزله بعد الانتقال منه إلى آخر، لكنها تحرّم العبث بتلك المساكن والمساس بخصوصية الأحياء عن طريق سوء استخدامها وتأجيرها لفئات من العزاب التي لا تحترم خصوصية تلك الأحياء وتسبب ضيقا وحرجا للسكان الأصليين.
ربما الإجراءات التي اتخذتها البلديات والإنذارات والغرامات لم تكن كافية لوقف تلك التجاوزات ومنعها، بدليل الأوضاع السيئة لمختلف الأحياء التي نمت وتزايدت خلال السنوات الماضية. لذا فإننا نأمل مراجعة القوانين والتشديد فيها لتلزم السكان والمالكين بالحفاظ على تلك الأحياء وخصوصيتها حتى لا تتحول بسبب الإهمال وسوء استغلال العقارات فيها إلى مناطق تعمها الفوضى والمخالفات التي إن صمتنا عنها آذنت بمصير نرفضه شهدناه في أحياء قديمة في مختلف الإمارات.
الأحياء القديمة تحمل عبقا جميلا وذكريات لا ينبغي التفريط بها، والدول المتقدمة تحافظ على أحيائها الشعبية أو القديمة وتبذل كل ما بوسعها للحفاظ عليها وتزويدها بالخدمات اللازمة حتى لا يشعر سكانها بالفرق بينهم وبين سكان الأحياء الجديدة، فلماذا لا نكترث نحن بأحيائنا القديمة؟
وإذا كنا نطالب بدور اكبر لبلدية العين وغيرها من البلديات في المناطق التي تشكو فيها العائلات من وجود مساكن العزاب بينهم، فلا يعني ذلك أننا نخلي الملاك من المسؤولية، إذ أن الحفاظ على الأحياء القديمة ليس مسؤولية بلديات فقط، بل مسؤولية يتحملها أيضا ملاك يفترض أنهم حريصون على مصلحة وطنهم ونسيجه الاجتماعي واستقراره. فتأجير مساكنهم حق مشروع لا خلاف عليه والانتقال إلى مساكن أكثر اتساعا في أحياء ومناطق جديدة لا ننكره عليهم أيضا، لكن لابد ألا يتعارض ذلك مع اختيار المستأجر المناسب.