أثار (التوقيت) الخاطئ لتنفيذ حكم الإعدام بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، موجة من ردود الأفعال العربية والدولية المتباينة، وزاد في حدتها وانتشارها عملية (الإخراج) السيئة، بما رافقها من مظاهر سلوكية غير حضارية.

لا جدال ـ عند المسلمين ـ في أن الإعدام قصاص عادل لمن أزهق ـ عامداً ـ روحاً بريئة، فكيف بمن قتل وتسبب ـ عن عمد وإصرار على امتداد ثلاثين سنة ـ في مقتل الملايين من البشر الأبرياء، وتسبب في شن حروب عدوانية على الجيران وعاث في الأرض فساداً، ودمّر الموارد وبدد الثروات في شراء الضمائر بهدف نشر ثقافة الخوف والنفاق وعبادة الطغيان؟!

ولكن مهما بلغت الجرائم والآثام والمجازر فإن اختيار صبيحة عيد الأضحى ـ يوم فرحة المسلمين ـ موعداً لتنفيذ الإعدام، اختيار غير موفق لا على المستوى الديني ولا الأخلاقي ولا الإنساني ولا السياسي، وهو بعيد عن مقتضيات الحكمة وحسن تدبير الأمور والرشد السياسي، ولهذا انتقدت الأكثرية العربية والدولية هذا التوقيت.

ورأت فيه استهانة بمشاعر ملايين المسلمين، ووصفه قاضي محكمة الدجيل السابق (رزكار محمد أمين) بأنه مخالف للقانون العراقي نفسه، وكان يمكن تأجيل التنفيذ إلى ما بعد العيد أو (15) يوماً طبقاً لما طلبته الإدارة الأميركية من الحكومة العراقية، ولكن يبدو أن النوازع الانتقامية كانت لها الغلبة في النهاية.

لقد تباينت ردود الأفعال العربية، ففي حين اعتبر البعض أن (التوقيت) خير عيدية لأهالي وأقرباء الضحايا والشهداء الذين سقطوا على يد النظام السابق وبخاصة من الشيعة والأكراد والإيرانيين والكويتيين الذين صرح بعضهم بقوله (شهداء الكويت ناموا ـ الآن ـ في قبورهم بسلام) رأى أنصار صدام والمتعاطفون معه بأنه يوم أسود في تاريخ الأمة، ويوم اهانة ويوم حداد للأمة.

وانتحرت جزائرية بإلقاء نفسها من الطابق السادس (حزناً) ولبست مذيعات في قنوات عربية السواد (حداداً) وقررت ليبيا إقامة تمثال لصدام وهو على منصة المشنقة بجانب (شيخ الشهداء) عمر المختار، وأعلنت الحداد ثلاثة أيام، وانتشرت مجالس العزاء من تكريت إلى ساحات العديد من الدول العربية، وقال بعضهم، إنها جريمة العصر وقامت مظاهرات تندد وتستنكر وترفع صور صدام باعتباره البطل والشهيد.

الأسئلة الملحة الآن: لماذا التعجيل بالإعدام؟ ولماذا اختيار يوم العيد؟

وما هي الدوافع والتفسيرات والأهداف؟

هناك تفسيرات عديدة وراء سرعة إعدام صدام حسين تتلخص في ثلاثة تفسيرات، هي: أولاً: (التفسير التآمري) وهو ما يقول به أصحاب التفسير التآمري للأحداث التاريخية، وهم يقولون إن الحكومة الأميركية أرادت سرعة إعدام صدام ودفنه، لدفن أسرار وخبايا العلاقة الوثيقة مع نظام صدام عبر التخلص من مشاهده الرئيسي.

وهكذا ذهب صدام وذهبت الأسرار، ولكن هؤلاء لا يقولون لنا: تُرى أية أسرار باقية أو خفية لم تكشف بعد؟ كل دقائق وتفاصيل تحالف الإدارة الأميركية مع نظام صدام على امتداد الحرب ضد إيران معروفة ومنشورة وموثقة، والساسة الأميركيون أنفسهم يعترفون بها ولا ينكرونها، لسنوات عديدة مدّت الإدارة الأميركية المتعاقبة، النظام العراقي بالسلاح والدعم الاستخباراتي لمنع الإيرانيين من إلحاق الهزيمة بالجيش العراقي الأقل عدداً.

ولكن ذلك كان تحالف مصالح عراقية وأميركية مثلما كانت دول خليجية تساند صدام في ذلك الوقت، بل حتى (رامسفيلد) الذي صافح صدام حسين بابتسامة واسعة عام 1983 واجتمع بطارق عزيز عام 1984 بعد إن أدانت واشنطن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد إيران والأكراد، وكانت مهمته تخفيف صدمة الإدانة قال إن مثل هذه الدبلوماسية أمر عادي في التاريخ وإن الولايات المتحدة أبقت علاقاتها مع دول لا تتصرف بالطريقة التي نريدها أن تتصرف بها، ومع ذلك لدينا علاقات دبلوماسية واتصالات معها.

وأضاف أن هناك حالات مازالت الولايات المتحدة تقول فيها (علانية وسراً) لإحدى الدول إنها تعترض على سلوكها، لكن قد يكون لدينا تواصل جيد جداً معها على مستوى أو آخر.

وهذا ما يحدث ماضياً وحاضراً ومستقبلاً والعلاقات مع أميركا ليست سراً يمكن إخفاؤه والمصالح الاستراتيجية فوق كل الاعتبارات والتقاء المصالح ليس تهمة أو عمالة، وحتى اللغو الباطل عن الضوء الأخضر الأميركي لنظام صدام بالعدوان على الكويت والذي حاول تصوير صدام بأنه (ضحية) بريئة ومخدوعة أصبح مكشوفاً، فأية أسرار أخرى بجعبة صدام لم يكشفها بعد؟ ولماذا لم يذكرها طوال محاكمته العلنية التي استمرت سنوات؟!

ثانياً: (التفسير الطائفي) وفحواه، أن الهدف هو الانتقام والتشفي الطائفي بدليل الرقص والأقوال المهينة، يقول ـ طارق الحميد (إن الحكومة نكأت جرحاً طائفياً لا ينتهي) وأما الكاتب الإماراتي ـ محمد الحمادي ـ فيقول (التوقيت الذي وافقت عليه المرجعية الشيعية ليس بريئاً من الحسابات الايدلوجية) ولكن السؤال: من هو المسؤول الحقيقي عن الطائفية؟

ألسنا ـ جميعاً ـ طائفيين بدرجة أو بأخرى؟ ترى ما الذي دفع هؤلاء الشيعة الذين رقصوا للتشفي؟!

أليست الفظائع الوحشية الطائفية على يد متطرفي السنة طوال (3) سنوات، حصدت من أبناء الطائفة الشيعية ـ أطفالاً ونساء وعمالاً وأساتذة ـ وذلك بتأييد ضمني أو صريح من قبل رموز دينية وسياسية سنية وبتحريض من إعلام عربي معاد يمجد (المقاومة الشريفة) وبفتاوى لمشايخ سنة تبيح قتال الشيعة باعتبارهم متعاونين مع (المحتل).

ومع كل ذلك كان الحكيم (السيستاني) كابحاً متطرفي طائفته، ضابطاً لنفوسهم حتى لا يردوا بالمثل ولكن عندما طفح الكيل وبخاصة أمام هذا التكالب الجماعي للدفاع عن صدام مع تجاهل تام لضحاياه كان هذا التشفي، وكانت الميليشيات الشيعية التي تقتل وتخطف.

ثالثاً: (التفسير الحكومي) برزت الحكومة العراقية التعجيل بالإعدام لخشيتها من حدوث عمليات اختطاف واسعة لمقايضة الرهائن بصدام أو محاولة تهريبه بالتواطؤ. أو عدم القدرة على مواجهة الضغوط الدولية الواسعة وبخاصة من أوروبا ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت تسعى لخوض معركة طويلة لتخفيف حكم الإعدام .

كما يقول (يوسف الديني) وهو ما نراه ماثلاً في تأجيل التنفيذ لبرزان وعواد، لذلك قالت مريم الريس ـ المستشارة القانونية ـ (إن قرار رئيس الوزراء بدء العام الجديد، وصدام ميت، يفوق كل الاعتبارات بما فيها نصيحة السفارة الأميركية بالتأجيل.

كاتب قطري