ثمة ما يشبه الهرولة نحو الاقتتال الأهلي، في الساحة الفلسطينية، الأزمة المعروفة، تسريع الخطى، في هذا الاتجاه، تراجعت وبقوة لغة السياسة فيها؛ وانتعشت لغة التلويح الصريح بالسلاح محاولات بناء الجسور بين «فتح» و«حماس» توقفت تقريبا؛ لتحل مكانها حملات الاستنفار. انسدت قنوات الحوار وانفتحت خنادق التحشيد المتقابلة. مفردات التحدي المباشر والتحريض الصريح؛ لم يسبق ان طلعت إلى السطح؛ بمثل ما حصل في الأيام الأخيرة.

السجال التصعيدي بين الفريقين لامس تخوم غير مسبوقة بسخونتها، وتسود هذه الأجواء في لحظة تعود فيها فوضى السلاح إلى الشارع، بكل زخمها. وكأن شبح الاقتتال الفلسطيني، ما عاد فقط يلوح في الأفق؛ بل هو يتقدم بسرعة، ليقيم في الساحة الفلسطينية. الحديث عن حكومة وحدة وطنية غاب وراء غبار التهديدات بالمواجهة وبتسديد الحسابات.

اللقاءات بين القيادات لتطويق الاحتقانات والتوترات؛ صارت مقتصرة على لجان؛ لا يسمع أحد بمتابعاتها، ناهيك بدورها وفاعليتها، «القوة التنفيذية» التي تحول الجدل حولها ـ في الأيام الأخيرة ـ إلى القشة التي قصمت ظهر البعير؛ كان ملفها محكوماً بأن يتطور بهذا الشكل؛ في غياب الانسداد السياسي الذي طال أمده.

مضى حوالي سنة على المأزق. البحث عن مخرج انتهى إلى المراوحة. تعذر التوافق على حد أدنى من برنامج وطني، تقوم على أساسه حكومة وحدة وطنية؛ ترك الكثير من الأسئلة والاستغراب، وضع يتعرض لما تواجهه الأراضي الفلسطينية، على يد العدوان الإسرائيلي؛ من حصار لشعبها واجتياحات ومطاردات عسكرية؛ ناهيك بالاغتيالات المتواصلة.

وبمتابعة نهب الأرض ومصادرتها وتوسيع الاستيطان فوقها؛ ومع كل ذلك لا تقوى أطرافه على بلوغ تفاهم عريض في ما بينها لمواجهة الاحتلال، والأكثر مأساوية أنها بصراعاتها؛ لم تترك فقط الساحة خالية للاحتلال ومخططاته؛ بل أعطت هذا الأخير الفرصة الذهبية وتركته يتفرج مبتهجاً على نزفها وكأنها تقوم، بالنيابة عنه، بما اشتهى هو وتطلع للقيام به.

فهل يعقل أن يصل انشغال الوضع الفلسطيني بالقضية الحكومية إلى النقطة التي يصبح معها الصراع من أجل الحكومة على رأس أولوياته؛ متقدماً على أولوية الوقوف بوجه الاستباحة الإسرائيلية، وبوجه الحصار الجائر المضروب على الشعب الفلسطيني وقضيته؟

كل الدعوات والتحذيرات والمطالبات التي ما انفكت تتوالى وتدعو القوى الفلسطينية إلى وقف هذا التردي، لم تفلح في تغيير المشهد ولا حتى في وقف تدهور العلاقة بين أطرافه، فها هو اليوم يصل إلى حدود التوعد والوعيد وحرب الكلام غير المسبوقة في هذا الخصوص، و«الحرب أولها كلام»، كما يقول المثل الشائع، فهل يذهب الفلسطينيون إلى الحرب فيما بينهم وهم في حالة حرب فرضتها إسرائيل عليهم منذ 60 سنة؟

سؤال يفرضه واقع الحال المؤلم الذي انتهوا إليه والذي لا يبشر بأي خير، بل هو لا ولن يحمل إليهم سوى المزيد من النزف والمعاناة وتهديد الحقوق، فهل هذا خيارهم؟