فيما دخلنا عاماً من جديد، وتولى كونغرس جديد مسؤولياته، فإن الوقت يعد مناسباً لإلقاء نظرة شاملة على «الحرب العالمية على الإرهاب». وربما تضمن القوة العسكرية التقليدية الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة أننا لن نهزم في العراق وأفغانستان وما وراءهما. غير أن المزايا الكبيرة التي يتمتع بها المسلحون تشير إلى أننا لن ننتصر بالضرورة أيضاً.
وهكذا فإننا قبل أن ندفع بأعداد كبيرة من القوات إلى بغداد، كما قد يتمنى الكثير من الجمهوريين أو ننتزع الجميع من العراق، على نحو ما يطالب به الكثير من الديمقراطيين، فإن من الحكمة أن تستعرض الأسباب التي جعلت أميركا تواجه متاعب في تحويل الانتصارات على طالبان وصدام حسين إلى نجاحات استراتيجية بعيدة المدى.
إن إنشاء نظم سياسية جديدة على الأرض أكثر صعوبة بكثير من مجرد قصف تجمعات المسلحين، فمثل هذا الجهد يقتضي أن يتخلى الجنود الأميركيون عن الأمان النسبي الذي تكفله لهم السفن والدبابات والطائرات ليخوضوا غمار معارك دموية لاحقة في الشوارع والأحياء. وما إن يحدث ذلك حتى تفقد الولايات المتحدة مزاياها العسكرية الجوهرية.
أولاً، لدى المسلحين ما يكفي من الأسلحة الغربية ـ الأسلحة الصغيرة الآلية وأجهزة التفجير- لكي يحققوا التعادل مع الأفراد الأميركيين على الأرض. ومليارات الدولارات التي أنفقت على حاملات الطائرات والطائرات الموجهة عن بعد وطائرات ستيلث لم يقصد بها مقاتلة المئات من المسلحين الذين يختفون في البيوت.
ثانياً، عندما تتصاعد الخسائر فإن الجانبين ينظران إليها بصور مختلفة. فالموت العنيف والفقر الوبائي هما من الأمور المألوفة في الشرق الأوسط ولكنهما ليسا كذلك في الغرب، ونحن نهدف إلى تجنب سقوط الضحايا في غمار قيامنا بشن الحرب، بينما المسلحون لا يستهدفون إلا إسقاط الضحايا أياً كان الثمن الذي يتكبدونه في غمار ذلك.
ثالثاً، كل ما نقوم به يخضع للقوانين وللمساءلة الأخلاقية الغربية. والأميركيون يفرقون بين الجنود والمدنيين لتجنب وقوع أضرار لأطراف ثالثة. أما المسلحون فإنهم يتعمدون الاختفاء وسط النساء والأطفال لضمان أن كبحنا لجماحنا سيقدم لهم الوقاية من التعرض للضربات وتوقعاتنا الأخلاقية الطوباوية لا يمكن تلبيتها أبداً، وافتقار المسلحين إلى مثل هذه الاعتبارات ذاتها يعني أننا نعتاد على قيامهم بقطع الرؤوس وعمليات الاختطاف والهجمات الانتحارية بأكثر مما نغضب حيال حدوثها.
رابعاً، في غمار عملية إعادة البناء يتم تحميل الأميركيين المسؤولية عن استمرار عمل مرافق الإمداد بالكهرباء والماء لضمان استمرار الحياة بالنسبة للأفغان والعراقيين وتحسنها. أما المسلحون فإنهم لا ينتصرون إلا بالقضاء على مثل هذه الجهود. ومن الأسهل أن يقوم المرء بالهدم لا بالبناء. وهكذا فإننا نعاني من الجمود. والآن بعد خمس سنوات من القتال، فإن الأميركيين يواجهون خيارين واضحين في الحرب على هؤلاء المسلحين.
في إطار الخيار الأول يمكننا سحب القوات البرية والعودة إلى القصف التقليدي العقابي، أي علاقة العين بالعين والسن بالسن لأي هجوم مستقبلي. وبهذه الطريقة فإن الولايات المتحدة تبقى بعيدة وتوجه الضربات إلى قواعد المسلحين. وقلة من الأميركيين يلقون حتفهم، بينما يموت عدد من المسلحين أحياناً، وتبقى أجهزة الإعلام التي يسودها الشعور بالضجر أكثر تركيزاً على عمليات الاستفزاز التي يشنها المسلحون منها بالمواجهة والرد من قبل 30 ألف رجل في الطائرات المحتجبة وراء السحب.
أو يمكن للقوات الأميركية، مع التعرض لخطر أكبر، أن تواصل تغيير البنية السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط على أمل التوصل إلى حكومات دستورية قد تقضي على النزوع إلى التحرك المسلح على امتداد أجيال. وهذا الجهد الراهن يقتضي من جنودنا أن يقاتلوا المسلحين على أرضهم، وليس من خلال قواعدنا الإنسانية. ومن أجل هذا يتعين أن ندفع الثمن البشري والمادي المترتب على ذلك، تحت سمع وبصر أجهزة الإعلام.
والخيار الأول، وهو العودة إلى ما جرت ممارسته على امتداد الثمانينات والتسعينات، هو أمر سهل، ويقدم ارتياحاً في المدى القصير مع قليل من الجدل. ولكن الطريق الثاني الذي سرنا فيه للحيلولة دون تكرار الحادي عشر من سبتمبر هو طريق وعر وطويل ولا يحظى بالترحيب. غير أنه يحمل الوعد بحلول طويلة المدى في أفغانستان والعراق. إن الرؤساء ريغان وبوش الأب وكلينتون الذين انسحب أولهم من بيروت وتجنب ثانيهم التوجه إلى بغداد وهرب ثالثهم من مقديشو لم يخاطروا أو يخسروا أو يعملوا الكثير ضد المسلحين.
بالمقابل فإن جورج دبليو بوش راهن بكل شيء من خلال المضي إلى أفغانستان والعراق، وهو إما أن يجعل الأمور أسوأ بكثير أو أفضل بكثير بالنسبة للملايين من الناس، وذلك بحسب مدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل نوعية الحرب الضروس التي يرحب بها المسلحون والتي يسعى العسكريون الأميركيون عادة إلى تجنبها.
يقتضي النجاح العسكري على الأرض الآن أن نوسع قواعد الاشتباك للسماح للقوات الأميركية بإطلاق النار على المزيد من المسلحين، نزع أسلحة المليشيات، تدريب المزيد من القوات العراقية على تولي الأمن بسرعة أكبر وإغلاق الحدود العراقية مع الدول المجاورة.
وهذا الحل يسهل قوله مقارنة بتنفيذه، فلا بد للعسكريين من استخدام المزيد من القوة ضد من يدمرون العراق وذلك على وجه الدقة في الوقت الذي ضاق الرأي العام الأميركي ذرعاً بطول أمد الحرب وتكلفتها البشرية.
فلنتصور هذه الحرب على أنها نوع من السباق الغريب، والمسلحون يفوزون إذا كان بمقدورهم أن يقتلوا من الأميركيين أعداداً تكفي لخفض الروح المعنوية الأميركية بما يكفي لكي نلوذ بالهرب قبل تحقيق الاستقرار في العراق وأفغانستان. وهم يخسرون إذا لم يستطيعوا تحقيق ذلك. إن الرخاء والأمن والحرية هما وصفة الموت بالنسبة لهؤلاء المسلحين. والأمر على هذا القدر من البساطة والوضوح.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»خاص ل: «البيان»