أجمع عديد من التحليلات الإسرائيلية على أن العام 2006 شكّل بمحصلته إخفاقاً استراتيجياً لإسرائيل من الناحيتين السياسية والعسكرية، وأن تداعيات هذا الإخفاق يمكن أن تشمل العام 2007، ما لم تقم إسرائيل بإجراء مراجعة للأسباب التي أدّت إلى ذلك، ووضع علاجات مناسبة لها.
على الصعيد السياسي ترى هذه التحليلات أن إسرائيل افتقدت في العام المنصرم إلى القيادة، بعد اختفاء شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابقة، وزعيم ومؤسس حزب «كاديما» (إلى الأمام)، من الحلبة السياسية جراء دخوله في غيبوبة مرضية.
وتعتقد هذه التحليلات بأن القيادة الإسرائيلية الجديدة، بزعامة إيهود اولمرت، في حزب «كاديما»، وبزعامة عمير بيريتس في حزب العمل، لم تثبت ذاتها تماما، حيث ضيعت الحكومة الإسرائيلية، التي تضم حزبي «كاديما» والعمل، هويتها أو اتجاهها من الناحية السياسية، إذ أن خطة الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة لم تنجح تماما، بالنظر لاستمرار إطلاق الصواريخ من هذا القطاع على المدن الإسرائيلية المتاخمة له، وبالنظر لاختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، والتداعيات الأمنية والسياسية الناجمة عن ذلك، إسرائيليا وفلسطينيا.
وبالأخص لجهة تراجع أولمرت عن خطته بشأن الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية «الانطواء»، التي خاض على أساسها الانتخابات، وذلك بتأثير من صعود «حماس» في الانتخابات الفلسطينية (يناير 2006) والتداعيات الناجمة جراء الإخفاق في الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان (يوليو ـ أغسطس 2006).
هكذا فقد شهد العام المنصرم تراجع نفوذ حركة فتح في الشارع الفلسطيني لصالح صعود حركة حماس، وما تمثله، إلى سدة السلطة الفلسطينية، بعد فوزها بغالبية مقاعد المجلس التشريعي وتشكيلها الحكومة، ما شكل تحديا سياسيا لإسرائيل، ولمجمل علاقاتها مع الفلسطينيين. وقد قام العديد من المحللين الإسرائيليين بتحميل المسؤولية عن هذا التطور للحكومات الإسرائيلية، التي لم تلتزم بعملية التسوية مع الفلسطينيين، ولم تسهل على القيادة الفلسطينية، ومن ضمنها الرئيس أبومازن.
أيضا وبحسب هذه التحليلات فإن إسرائيل باتت بمواجهة تحد سياسي استراتيجي كبير، في المنطقة، يتمثل، أولا، بصعود نفوذ الجماعات الإسلامية، ولاسيما صعود نجم حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين. وثانيا، بتنامي النفوذ الإيراني، في الشرق الأوسط، مع ما يشكله ذلك من تحد لمكانة إسرائيل وهيبتها الإقليمية.
وثالثا، بتآكل مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، خصوصاً مع تخبط مشروعها في العراق، وفشلها في مشاريع التغيير السياسي في المنطقة، بدعوى جلب الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وبناء ما يسمى الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، مع ما يجلبه ذلك من تداعيات خطيرة على وجود إسرائيل ومكانتها في المنطقة، من الناحيتين الأمنية والسياسية.
من الناحية العسكرية سجلت هذه التحليلات تآكل قدرة إسرائيل على الردع، وعدم تمكنها من وضع حد لعمليات المقاومة الفلسطينية، ولعمليات القصف الصاروخي، التي تتعرض لها بعض مدنها القريبة من قطاع غزة. وقد شكلت عمليتي خطف الجندي جلعاد شاليت من جوار قطاع غزة، وخطف الجنديين من الحدود المحاذية للبنان الجنوبي تحديا عسكريا كبيرا لإسرائيل، وضربا لهيبتها.
أما ردة الفعل الإسرائيلية المدمرة، في فلسطين، وخصوصا في لبنان فقد ثبت إخفاقها تماماً، بل إن وقائع الحرب الإسرائيلية في لبنان (يوليو ـ أغسطس 2006) شكلت فشلاً عسكرياً واستخباراتياً وسياسياً كبيراً لإسرائيل، ووضعت حداً لأسطورة الجيش الذي قيل إنه لا يقهر!
وعلى خلفية كل هذه الإخفاقات والفشل في القيادة تشهد الحلبة السياسية ـ الحزبية في إسرائيل صراعات أو تنافسات على القيادة، فثمة تسيبني ليفني، وزيرة الخارجية، تعد نفسها لمنافسة إيهود أولمرت على زعامة حزب «كاديما»، وهي تطرح خطة سياسية جريئة (بمقاييس كاديما) للتسوية مع الفلسطينيين، ووضع حد للتردد والإرباك والضياع الذي ساد العام الماضي بعهد أولمرت.
وفي حزب العمل فإن وضع عمير بيريتس، زعيم هذا الحزب، شديد الخطورة، بعد إخفاقه في منصبه كوزير للدفاع، حيث ثمة منافسين كثر له من ضمنهم عامي أيالون وايهود باراك. وهذا التنافس يطال المؤسسة العسكرية التي يبدو أن دان حالوتس، رئيس الأركان، بات يتحمل مسؤولية الإخفاق في حرب لبنان.
وثمة بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود يستعد للمنافسة على رئاسة الحكومة واستعادة مكانة الليكود في السياسة الإسرائيلية. وقد شهد العام الماضي صعود نجم المتطرف افيغدور ليبرمان واحتلال حزبه (إسرائيل بيتنا) مكانة الحزب الرابع في سلم الأحزاب الإسرائيلية، وهو يحمل طموح تزعّم معسكر اليمين الإسرائيلي، على حساب نتنياهو، بعد التحالف مع الليكود، إن أمكن.
بالإجمال فقد كانت مجمل التحليلات الإسرائيلية جد متشائمة حيال الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة، وهذا بن كاسبيت، مثلا، يقول: «من الصعب القول إن العام 2007 سيكون أفضل من سابقه.. فمنذ الهجوم على البرجين التوأمين في نيويورك، تذهب الكرة الأرضية من سيئ إلى أسوأ.. الآن هذا هو الإسلام المتطرف المتصاعد بتزمت ظلامي.. يرتكب الغرب كل خطأ ممكن في الصراع ضده..
وفي هذه الأثناء إيران، تواصل مراكمة الزخم.. مساكين الأمريكيون عالقون مع بوش حتى يناير 2009، خلل تاريخي يدفع العالم ثمنا باهظا لقاءه. عندنا أيضا الوضع مشابه. إسرائيل عالقة مع أيهود اولمرت، ولا نرى النهاية.. كل شيء يبدو عالقا، باعثا على الاكتئاب، عديم الجدوى.. الأرض تهتز، والرعد يتدحرج إلى ما بعد الأفق.
وإذا لم يظهر هنا رجل راشد مسؤول ليوقف الجنون، فإن من شأننا أن نتوق ليس فقط لصدام، ليس فقط للعام 2006 بل وأيضا للألفية السابقة». (معاريف 1/1/2007) ورأى يوئيل ماركوس أن «إسرائيل عام 2007 لم تعد دولة «يطيب للمرء العيش فيها». «هآرتس 29/12/2006» أما البروفسور ميخائيل هرسغور فوصف السنة المنصرمة بأنها «سنة الهزيمة واليقظة» مقارناً بين الإخفاق الأميركي في العراق والإخفاق الإسرائيلي في لبنان. «يديعوت أحرونوت 29/12/2006».
وبحسب ب. ميخائيل (أديب يساري) فقد «كانت السنة الغابرة سنة أزمة لا تقل في كبرها وأزمتها عن سني التردي، من سنوات الركود ومن السنوات التي سبقت وتلت حرب يوم الغفران. وهي سنة لا تكمن أزمتها في الحرب التي لم تنجح كما طلبت العامة. ولا في ابتعادها عن ساحة «شخصية الأب» الشارونية..
ولا في كل قضايا الفساد التي تطارد مُعيلي الدولة ومُخلصيها.. تكمن أزمة هذه السنة.. في تحلل واسع تم خلالها. تحلل من الالتزامات. وتحلل من القيم الأساسية..من الاستقلال الحقيقي ومن وهم السيادة الحقيقية. في هذه السنة أعلن رئيس حكومة إسرائيلي، علنا، وبفم مليء.
وبلا خجل، بأنه لن يدخل تفاوضا سلميا مع عدو، من اجل ألا يجعل الرئيس الأمريكي يأسف.. في هذه السنة، وربما لأول مرة منذ إقامتها، يمكن أن نرى عُرى الدولة تُنقض نقضا تاما. يمكن أن نشعر بأن الأرض ترتجف. يمكن أن نشعر بضياع الطريق.. وإذا ما وقفنا على أطراف الأصابع ـ يقولون إننا أصبحنا نستطيع أن نرى النهاية. (يديعوت أحرونوت 28/12/2006).
من ذلك يمكن القول بأن إسرائيل تجد نفسها في العام 2007 تحمل نفس ملفات العام 2006، فهي معنية، أولا، بتجديد القيادة والزعامة؛ وثانيا، بتحديد الطريق الذي ستسلكه نحو التسوية، أو نحو شن المزيد من الحروب، وإثارة القلاقل في المنطقة؛ وثالثا، بمواجهة التحدي في الجبهة الشمالية حيث حزب الله؛ ورابعا، فإن إسرائيل أمام تحدي وجود حماس في الساحة الفلسطينية، وأمام تحدي شكل ومستقبل علاقاتها مع الفلسطينيين؛ وخامسا، تقف إسرائيل على الصعيد الإقليمي في مواجهة التحدي الذي تمثله إيران لها.
وفي مواجهة «هجوم» السلام السوري؛ وسادسا، فإن إسرائيل ستكون معنية بترميم صورتها كدولة رادعة، وإعادة الاعتبار لجيشها؛ وسابعا، تبدو إسرائيل في مأزق بنتيجة تآكل مكانة الولايات المتحدة (حليفها الاستراتيجي) في المنطقة، وبنتيجة تخبط مشاريعها السياسية في الشرق الأوسط. فماذا ستفعل إسرائيل في كل هذه الملفات الاستراتيجية لتحسين بيئتها السياسية والأمنية؟
كاتب فلسطيني