مؤسف ويدعو للغضب هذا الذي يجري على الساحة الفلسطينية التي تبدو الامور فيها وكأنها توشك على الوصول الى نقطة اللاعودة.. ان لم تكن قد وصلت - ما يعني ان الاخوة في فلسطين يسيرون «بوعي» وقرار مسبق نحو الحرب الاهلية التي تعني في جملة ما تعني تصفية القضية الفلسطينية وانهيار البرنامج الوطني الفلسطيني وذهاب دماء الشهداء وآلام الجرحى والأسرى وتضحيات الشعب الفلسطيني طوال اكثر من نصف قرن سدى وبلا ثمن..
واذا كان الذي يجري من عمليات تحشيد وشن فصائلي وعشائري وجهوي قد اوصل الاوضاع الى ما هي عليه الآن وبات الكل يرى في «الشارع» الفرصة الاخيرة لاثبات وجهة نظره والدفاع عنها، فان من الضروري ان يتذكر الذين يضعون الشعب الفلسطيني في دائرة النار والفوضى، ان التاريخ لن يغفر لهم وان الشعب الذي يدعون الدفاع عن مصالحه وعن قضيته الوطنية لن يسامحهم لان كل ما يجري لا يستهدف سوى الدفاع عن مصالح فصائلية او شخصية ضيقة وهو في جوهره صراع على السلطة ليس الا، ذلك لأن اسرائيل ليست على تلك الدرجة من «السذاجة» كي تبدي مرونة في التفاوض في وقت ترى فيه اعداءها وهم يحتربون ويقتلون بعضهم في الشوارع ويظهرون «براعة» في اغتيال بعضهم البعض؟
ثم ان اسرائيل التي يتكرس فيها جدار الفصل العنصري وتصادر المزيد من الاراضي وتقيم المزيد من المستوطنات لن تكون على قلق او خشية من ظهور «مفاوض» (حتى لا نقول مقاوم) عنيد يستطيع ان يظهر عدالة قضيته ويعرض للعالم مدى الظلم والاجحاف والغطرسة والاذلال الذي تمارسه اسرائيل ضد شعبه بما هي دولة محتلة وغاصبة ما دام الفلسطينيون يذبحون بعضهم البعض ويشعلون الحرائق في بيوت بعضهم البعض.
ولعل الحقيقة الاكثر ترويعا في هذا الوقت بالذات ان الفلسطينيين الذين يطالبون اسرائيل بان «تحاورهم» لا يؤمنون بمبدأ الحوار فيما بينهم ولا يجعلون من ثقافة الحوار والتوافق جزءا من مشهدهم الدموي الراهن.
لم يفت الوقت بعد على رغم كل التوتر والشحن والتحشيد الجاري الآن على الساحة الفلسطينية والفرصة لم تستنفد بعد لاعمال العقل والتبصر وتقديم المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على المصالح الفصائلية والشخصية لانقاذ القضية الفلسطينية من مخططات التصفية ولانجاز المشروع الوطني الفلسطيني وفي مقدمته اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة قبل ان ينفض العالم يديه من هذه القضية العادلة وعندها سيدخل مصطلح جديد في قاموس الحروب الاهلية العربية هو «الفلسطنة» كما كان يقال اللبننة والصوملة ويقال الآن العرقنة.