تختلف معظم قيادات الشعوب وأحزابها، ولكنها لا تدفع بالوطن إلى حافة الهاوية، وما يجري بلبنان وفلسطين خارج التصور ومنطق العقل، لكنه النسيج العربي المتوارث أي الانتصار يعد فروسية شخصية، وباسم البطل يجب أن تحرق النيران الممتلكات الوطنية ويموت الناس قرباناً له مهما كانت النتائج، إذا كان للبطل أن يبقى على رأس سلطة أو حزب.

في لبنان تآلف الأضداد يأتي ضمن حسابات شخصية، وليس حباً بالشرعية والديموقراطية لأنهما شعارات وقوانين أساسها وجسدها الأرض، وليس الأحبار والحروف والصياغات، وبدون الوطن تصبح الديموقراطية والشرعية شيئاً لا أصل له ولا معنى، ولذلك اختلف اللبنانيون من أجل غايات حزبية وطائفية، وعجزوا أن يلتقوا على مبدأ الوطن للجميع.

الفلسطينيون خاضوا أعظم نضال في تاريخ العرب الحديث، قاوموا التهجير والتدمير وتغييب الهوية، صمدوا على أنقاض مدنهم، واستطاعوا وضع الحجر في ميزان القنبلة، ومن هذه البطولات استطاعوا توحيد الشارع العربي والإسلامي، المنقسم أصلاً على نفسه، إلا تجاه هذه القضية، ولم يتفق الخصوم من ثوريين، ويمينيين، وتقليديين، إلا على براءة وحق الفلسطيني بوجوده على أرضه.

لكن المؤلم أن المرض العربي بدأ يأخذ اتجاهه عند القادة، وصارت حمى الحرب الكلامية مقدمات لمناوشات يسقط فيها أعضاء من حماس، وفتح، وكأنهما عدوان تقليديان ليضعا إسرائيل في حالة احتفال دائم وينقذاها من أزمتها بعد حرب لبنان الأخيرة، ويعطياها شهادة حسن سيرة وسلوك أمام العالم بأنها تجاور شعباً تقوده عناصر غير مؤهلة لإدارة الحكم فما بالك بعقد سلام طويل مع قوى سريعة الانقلاب على نفسها، تهدد أمن البلد الديموقراطي.

نعرف أن هذا الكلام مؤلم، ليس فقط لمن ربط مصيره وأمته بهذه القضية، وإنما لكل الشعب العربي، والعالم الإسلامي، المحتار أمام صراع السلطة، وكيف أن كل حزب يدعي قانونية تصرفه وشرعيته، والمأساة أن ما كسبته القضية خلال نصف قرن حيث بدأت تتدحرج إلى الأسفل بعدة أشهر، لمجرد أن دخلت مراكز السلطة النزاع بين طرفي القضية، وصار التماس على الاستئثار بالدولة هو الهدف الأعلى، وحتى نكون محايدين بين الخصمين نتمنى أن يقبلا بوساطات عربية تريد بالفعل إنقاذ براءة القضية ومن ناضلوا خلال هذا التاريخ من أجلها، بأن يتم دمج عناصر الدولة مع شخصيات محايدة، تكون ميزان التوافق بين الأطراف، حتى نسجل بطولة جديدة للقيادات والشعب الذي انقسم على نفسه بين حمساوي وفتحاوي، لينسى المسمى الأصلي والجامع للفرقاء (فلسطيني).

الأكثر إيلاماً أن الذين يقودون الدولة هم نتاج مدرسة تربوية عظيمة في النضال، لكن يبدو أن الدروس علقت وخرجت ليحل البديل التنافس على الكراسي والمراكز، فهل تكون الخسارة الثانية بعد 948، 1967لصالح إسرائيل وكل من تنبأ بشرخ فلسطيني قد يقود إلى حرب أهلية؟!