عبثاً تحاول العرب ستر عورتها بما تبقى لها من ورقة توت باتت في مهب ريح العم سام العاصفة في غير مكان من العالم عموما ولكن في العالم العربي على وجه الخصوص، مع ملاحظة أنه عندما يتعلق الأمر بالسياسات الحقيقية التي يتم تمريرها على مسرح الأحداث.

فإن الحاجة إلى الكلام الصريح تنعدم في ظل حالة منقطعة النظير من اللامبالاة التي تمارسها الأنظمة العربية حيال الرأي العام السائد في شارعها واتساع الفجوة بين المواطن وصانع القرار إلى حد غير مسبوق على الإطلاق، حتى في ظل أعتى الأنظمة الشمولية في تاريح العالم السياسي.

ها هي الجامعة العربية ومجموع أعضائها ينصهرون، دون الحاجة للإعلان عن ذلك، في بوتقة الشرق الأوسط الأميركي الكبير، الذي لم يعد مجرد مشروع في الأذهان أو على الورق فحسب، وإنما بات يحتل موقع الصدارة في المشهد السياسي السائد في المنطقة منذ حين، لا بل إن الحديث يدور الآن عن الانتقال إلى استراتيجية أميركية جديدة تخص هذه المنطقة «المحظية» من العالم من المزمع الإعلان عنها خلال أيام على لسان سيد البيت الأبيض، الأمر الذي يعني أن الاختراق الأولي قد بات ناجزا من خلال تعطيل جبهة أخرى من جبهات العمل العربي المحتملة ممثلة بالجبهة الشرقية.

كما يحب المحللون الاستراتيجيون في الدولة العبرية تسميتها، وبالتالي فإن الظروف صارت في حكم المهيأة لمواصلة تقدم بلدوزر تحييد القوى الإقليمية باتجاه إيران ربما ليتم لاحقا وصل الحلقات المقطوعة في السلسلة الأميركية الممتدة من الدولة العبرية إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة.

ويبدو إن لم يكن من المؤكد أن كل التحركات والتوجهات الصهيو- اميركية الحالية منصبة على وضع آخر اللمسات في مسيرة الشرق الوسط الكبير التي استهل طرح فكرتها شمعون بيريز على شكل كتاب حمل الاسم نفسه منذ أكثر من عقدين زمنيين .

ومن ثم تكفلت الإدارة الأميركية بتعزيزها وطرحتها مجددا عل لسان رئيسها العام الماضي في حين لا مجال للشك بأنها في طريقها لتلقي المزيد من الدعم والتأييد والتبني من خلال استراتيجية بوش المنتظر الاعلان عنها في غضون أيام والتي سبقها الإعلان عن رزمة من القرارات «الاستراتيجيية» المتعلقة بحركة واسعة من التنقلات والتعينات في خارطة المناصب السياسية والعسكرية والأمنية الحيوية في الحكومة الأميركية الحالية العتيدة.

وكالعادة فلقد بدأت ترشح عمداً بعض المعلومات حول طبيعة تلك الاستراتيجة المنتظرة «الجديدة»، لا بل إن الأمر لم يعد يتوقف عند هذا الحد وتعداه وصولا إلى طرح مشاريع استراتيجيات موازية وأفكارا وتوصيات ونصائح للقيادتين الأميركية والإسرائيلية يتصدرها جميعا ما أطلق عليه خطة ديك تشيني للشرق الأوسط والمكونة من نقاط خمس محورها الأساسي هو إيجاد معادلة جديدة لميزان القوى في المنطقة تقوم أساسا على إقامة تحالف سني واسع النطاق مع إسرائيل مهمته مواجهة إيران على أن يمتد هذا التحالف من إسرائيل إلى باكستان مرورا بمعظم الدول العربية.

والذي يعزز صحة وواقعية هذه التوجه الأميركي هو طبيعة حكام البيت الأبيض السياسية القائمة على ما سموه «الحرب الاستباقية» أصلا، يضاف إليها تلك الدعوات الصادرة عن قادة عسكريين إسرائيليين ينصحون من خلالها قيادتهم السياسية بأن تتوجه إلى القيادة السورية .

وتمد لها يد المصافحة وتفتح معها حوارا جديا يقطع الطريق على استمرار تحالف الدولة العربية الممانعة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، فضلا عن أن موجة الأفكار والاستراتيجيات الصهيو- أميركية الجديدة تتزامن هذه المرة ليس فقط مع احتلال بلد عربي آخر ووجود نحو 150 ألف جندي أميركي على حدود إيران الجنوبية وإنما أيضا مع قيام الولايات المتحدة بحشد المزيد من أساطيلها الحربية في مياه الخليج العربي.

كما يزامن كل ذلك مع صدور ما يعرف باسم تقرير التوازن الاستراتيجي الإسرائيلي عن معهد دراسات الأمن القومي في الدولة العبرية والذي يؤكد حقيقة تراجع هيبة الآلة الحربية لهذا الكيان المارق في المنطقة جراء عدوانه الأخير على لبنان، ما يستدعي ضرورة التحرك العاجل وتعويض آلة القتل تلك عن هذا الخلل الاستراتيجي في ميزان القوى الذي عادة ما يميل لصالح ذلك الكيان.

ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تعول كثيرا على مشروع الشرق الأوسط الكبير هذا، الذي تعتبره جزءا أساسيا من ضيعتها الكونية، كما أنه من نافلة القول إنها لا تنفق كل تلك الأموال ولا تبذل كل تلك الجهود ولا تقدم كل تلك «التضحيات» لسواد عيون الأمة العربية .

وإنما لخضرة أو زرقة عيون المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تلك العيون التي لا تشيح النظر أبدا عن عمالقة آخرين في العالم يهددون بقاء ميزان القوى العالمي على حاله واستمرارية تفرد العم سام بالعالم وفي مقدمتهم التنين الأصفر المتململ في قمقمه والتواق إلى رؤية النور.

يبقى تسجيل ملاحظة تتميز بها الاستراتيجيات المطروحة حاليا والتي تكمن بحالة الطلاق البائن بينها وبين الإستراتيجيات القديمة المعهودة من حيث نقطة جوهرية تتمثل باهمال الجديدة منها مسألة تطهير المناطق التي تحتلها أو تمر بها وتركها تتخبط وتنزف تحت وطأة حروب أهلية دائمة لا تبقي ولا تذر عملا بمبدأ بوش المسمى «الفوضى البناءة» سيئ السمعة والصيت.

bassil@albayan.ae