تشير المشاهد العديدة للتعامل الدولي مع قضايا شرقنا العربي والإسلامي أن الأقوياء في العالم اليوم تنقصهم الحكمة والحكماء تنقصهم القوة، وفى حين يدفع نقص الحكمة الأقوياء إلى المبالغة في استخدام الوسائل العسكرية بحماقة منطق القوة بدلا من انتهاج الوسائل السياسية بحكمة منطق العقلاء، يمنع نقص القوة الحكماء من القدرة على منع الحروب والفتن والحماقات والمظالم السياسية، ويجعل صوت العقلاء بقوة المنطق أصواتاً بلا صدى بواقع «لا رأي لمن لا سلطان له».
وافتقار العالم اليوم إلى حكم المنطق العقلاني والحكمة السياسية وغياب الأهلية القيادية لدى جل الذين يتحكمون في التأثير على القرار الدولي والذين يدورون في فلكهم، وعلى حركة الأحداث في العالم بعد غياب عصر ملأ الأبصار والأسماع فيه عدد من الزعماء الأقوياء الذين كانوا في الخمسينات والستينات «نجوما ساطعة» في الانتصار للحق والعدل والحرية لشعوب العالم والتصدي للظلم وللعدوان ولجبروت حماقة القوة والدعوة لنزع السلاح النووي وتأكيد التعايش السلمي..
وبعد ندرة الحكماء من الزعماء الذين يتسع خيالهم السياسي لإيجاد الحلول لمشاكل العالم بقوة المنطق لا بمنطق القوة، ولاحتواء الأزمات قبل تفاقمها ويملكون من القدرة والحكمة ما يمكنهم من منع الحروب قبل اشتعالها ووقفها فور اندلاعها والوقوف بصورة جماعية فاعلة للتصدي للعدوان تحت أية ذرائع باعتبار أن الغزو والتدخل العسكري أو السياسي في الشؤون الداخلية للدول هو عدوان مرفوض ومدان ولا يمكن قبوله أو تفهمه، انتصاراً للمبادئ قبل المصالح.
هذا الواقع الدولي في عمومه والإقليمي في خصوصه نتيجة لممارسات الساسة بلا سياسة والأقوياء بغير حكمة أدى إلى شيوع العديد من المعادلات المختلة، نرصد من بينها صورة واحدة مشحونة بالتناقضات ووضع العربات أمام الأحصنة وازدواج المعايير والانتقائية والعنصرية والإسلاموفوبيا الغربية.
والمثل هنا في تعامل مجلس الأمن مع كوريا والهند وباكستان، وبدلا من اتباع المنطق القائل بعالمية نزع السلاح النووي المدمر للبشرية وضرورة تخلى هذه الدول أولا عن أسلحتها النووية بتطبيق المعاهدات الدولية في هذا الشأن، يبدو اللامنطق بصورة أوضح حينما تأتي هذه المطالبات والعقوبات من دول لا تملك فقط هذه الأسلحة المدمرة وتهدد بها، بل ممن استعملها بالفعل في «هيروشيما» و«ونجازاكي».
أفلا يبدو ذلك مثيرا للتساؤل إذن؟ لماذا لهم الشكوك في النوايا ممن هم مشكوك في نواياهم الإمبراطورية وممن ليس أهلية موقع الحكم على النوايا الدولية وإن كانت لهم إمكانية التحكم في الشؤون الدولية؟
ولماذا هذه الانتقائية وازدواج المعايير في ألا تكون مثل هذه الخشية من العديد من الدول التي تملك بالفعل برامج نووية سلمية.. ثم السؤال الأهم هو ماذا يفعل المفتشون الدوليون إذن والمتاح لهم وفقا للبروتوكول الإضافي كل إمكانيات الرقابة والتفتيش بأجهزة رصدهم ومجساتهم وكاميراتهم وخبراتهم؟
ولماذا.. يا ملاك الصواريخ النووية وضعتم في الاتفاقية هذا النص الذي يتيح للموقعين على المعاهدة ليس فقط الحق ولكن تلقي المساعدة في برامجهم النووية طالما لا تنوون أو تخشون مع كل الضمانات تطبيقه؟
ثم لماذا تتعاونون وتتفاوضون مع الهنود والكوريين الذين لم يوقعوا هذه الاتفاقية، بينما تعاقبون فقط الموقعين من العرب والمسلمين على برامجهم السلمية؟
ثم .. لماذا ولماذا ولماذا تستمرون تغمضون العيون عن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية وتدعمون ما أعلن عن قيامها بإجراء تفجير نووي قريباً لاختبار إمكانية الرصد النووي لأية تجارب إيرانية، بينما تصمون الآذان عن اعتراف «أولمرت» في برلين، وتتخاذلون عن الفعل أو العقوبات أو حتى الإدانة وتخرسون اللسان عن الكلام؟