كثيرة هي الدول التي اعتنقت نظرية الاقتصاد الحر وعملت على تطبيقها وقسم من هذه الدول نجح في تطبيقاته لهذه النظرية أما القسم الآخر فقد فشل. وقد نجد أن أسباب هذا الفشل يعود إلى عدم تطبيق الأسلوب الفعال والصحيح للاقتصاد الحر والذي غالباً ما يبدأ بخطوات صحيحة ثم تتعثر في منتصف الطريق لتصل في النهاية إلى الفشل مما ينعكس سلباً على اقتصاد الدولة بشكل عام.
وقد تكون هناك صورة أخرى من البداية لتطبيق صحيح لهذه النظرية ثم تتداخل معها سيطرة حكومية مطلقة على القطاع الاقتصادي انطلاقاً من مبدأ حماية الاقتصاد الوطني مما ينجرف التطبيق إلى تطبيقات الاقتصاد الشامل بدلاً من الاقتصاد الحر، فهنا تفقد الدولة مفاتيح إدارة اقتصادها وتتشتت بين الاقتصاد الحر والاقتصاد الشامل مما يؤدي بالنتيجة إلى الفشل.
ويمكن للمتتبع أن يرى وجهاً آخر للفشل في التطبيقات الاقتصادية وهذا الوجه نابع من عدم متابعة الدولة للأنشطة الاقتصادية الحرة انطلاقاً من مبدأ أو من المفهوم العام لمبدأ الاقتصاد الحر، على اعتبار أن القطاع الخاص يجب أن لا يتدخل أو لا يمكن توجيهه انطلاقاً من مبدأ دعه يعمل، دعه يمر.
عليه نجد هذا القطاع غير المراقب وبمرور الوقت يرتكب من الأخطاء الشيء الكثير وفي المحصلة يكون ذات النتيجة السلبية التي تصيب اقتصاد الدولة. وهناك صور أخرى تشكل في مضمونها أسبابا رئيسية تؤدي إلى تهاوي الاقتصاد وتصبح ممارسات تطبيقه ذات فعل مضاد للدولة مما يثقل كاهلها.
وكل ذلك بسبب عدم وجود تخطيط سليم وتطبيق صحيح للنظرية الاقتصادية التي تم اعتناقها والتي يجب معرفة أسسها وكيفية تطبيقاتها وكيفية المحافظة على النجاح التي تثمر عنها عملية التطبيق الصحيح أي استثمار فرص النجاح وتطويرها نحو الأفضل، ومن هذا المنطلق فإنه يجب على الدولة أن تراقب حركة اقتصادها الحر عن كثب وتدعمه كونه يساهم بشكل فعال في تحسين نمو اقتصاد الدولة.
ولكن كيف يمكن تصور مراقبة الدولة لحركة الاقتصاد الحر فيها، هل تجعل عليه القيود مما يؤدي بالنهاية إلى فشله أم تتدخل فيه بصفة مستمرة وبالتالي تضيع معالم سياسة اقتصادها بين الحر والشامل مما يرجع بالسلبية على اقتصادها.
هذه التصورات قد خطتها دول كثيرة ورغم وجود الإمكانيات والظروف التي تنجح اقتصادها إلا أنها بسبب سلطتها البوليسية على اقتصادها فشل في تطبيقات الاقتصاد الحر كما تفشل في تطبيقات الاقتصاد الشامل.
وعلى هذا فإن مراقبة الدولة لمسيرة تطبيقات الاقتصاد الحر الذي تعتنقه ممكن أن تتمثل في صور متعددة منها مثلاً مراقبة السوق والقيام بسد كافة الثغرات التي قد تصيبه وتعرقل عمل القطاع الخاص ومن الممكن أن تتدخل الدولة باتخاذ العديد من الإجراءات الهادفة إلى إزالة بعض القيود التي تحول دون قيام القطاع الخاص بدوره في عملية التنمية، ومن الممكن أن يكون التدخل في صورة دعم القواعد الإنتاجية أو دعم قواعد إنتاجية معينة تكون الدولة في حاجة لها أو ترى مردوداتها أفضل لمستوى التنمية الاقتصادية للدولة.
كما أن الدولة ومن خلال مراقبتها لحركة اقتصادها وسوقها وبغية تنمية مواردها الاقتصادية وضمان النمو الاقتصادي الأفضل لها فإنها تتدخل باستمرار من خلال إصدار القرارات والتشريعات القانونية واعتماد سياسة اقتصادية مرنه يكون من شأنها تثبيت الأوضاع الاقتصادية والحد من ارتفاع التضخم وإعادة التوازن لحركة السوق.
وإنتاجيته والتدخل السريع والفوري لمعالجة الآثار السلبية، الدولة هنا تسعى لغرض توفير المناخ الطبيعي والمناسب للاستثمار في أسواقها وتعمل على جذب المستثمرين الأجانب إليها مما ينعكس إيجابا على نمو اقتصادها، وانتعاش الاقتصاد الحر فيها والتي توفر له الحماية اللازمة مما يؤدي إلى تمكن القطاع الخاص من التفاعل والمنافسة الحرة في ظل مناخ استثماري شفاف.
هذا التدخل والمساندة من الدولة وسياستها الاقتصادية المتسمة بالشفافية هو الذي يؤدي بالنتيجة إلى نجاح تطبيقات نظرية الاقتصاد الحر، أما إذا كانت سياسة الدولة الاقتصادية جامدة وقوانينها قديمة وبالية، ولم تكن لديها حسن المبادرة والتدخل عندما يتطلب الأمر حماية العملية الاقتصادية وتطبيقاتها فإن سوقها سوف يصاب بتغيرات جوهرية سلبية وقد يؤدي به إلى اختلال توازن السوق مما يؤثر بشكل فعال على الاقتصاد والاستثمار.
ومن صور هذه التغييرات الجوهرية السلبية ارتفاع معدلات التضخم، هذه الآفة التي تصيب اقتصاد الدولة وتضعفه حتى ولو كان التضخم بمعدلات بسيطة حيث إن ارتفاع معدلات التضخم سوف يؤثر في تكاليف الإنتاج الصناعي فيكون الطلب متزايدا على رأس المال لتغطيه التكاليف مما يصيب القوة الشرائية للنقد بالانخفاض بسبب ازدياد الحاجة إلى تمويل مما يؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة على هذا التمويل وهذا كله سيصيب العملة الوطنية بتأثر أسعار الصرف للعملة الوطنية تجاه العملات الأخرى.
لذلك نجد أن الدولة الناجحة في سياستها الاقتصادية والتي تراقب سوقها الحر وتدعمه يجب عليها أن تتدخل في هذه الحالة للتقليل من معدلات التضخم لإعادة التوازن إلى سوقها من خلال إصدار قرارات وتشريعات عاجله يكون من شأنها معالجة حقيقية لحاله مستفحلة تتجه لتتحول إلى ظاهرة سلبية يتوجب القضاء عليها أو معالجتها وبشفافية عالية.
ومن صور زيادة معدلات التضخم هو زيادة بدلات الإيجار للعقارات والفكرة في التضخم ليس في زيادة بدلات الإيجار للعقارات بل المشكلة التي تبرز هو الزيادة السريعة والمفاجئة والكبيرة في بدلات إيجار العقارات، وهذه الزيادة تربك السوق على كافة مستوياته بل تربك العملية الاقتصادية فنكون أمام حالة عدم توازن اقتصادي.
وبالتالي وبمرور الزمن سيؤثر سلباً في اقتصاد الدولة، بل أن هذه الصورة من التضخم قد تؤثر على غيرها من صور الاقتصاد فترفع الأسعار لكافة السلع والمواد الأولية والأيدي العاملة والمواصلات والاتصالات وغيرها .
ومن دون مبرر مما يؤدي إلى ارتفاع أكثر في معدلات التضخم مما يرهق اقتصاد الدولة. لذا يتوجب على الدولة هنا التدخل السريع لعلاج هذه الحالة والعمل على احتوائها وبطرق علمية اقتصادية وبإجراءات لا تؤثر على القطاع الخاص والعملية الاستثمارية.
ومن أمثلة صورة زيادة بدلات إيجار العقارات هو التطور الهائل في الحركة العمرانية لدولة الإمارات العربية المتحدة وهذا التطور الكبير المصاحب لتطور اقتصادي كبير في الإمارات وإقدام المستثمرين الأجانب على استثمار أموالهم فيها وتطور الحركة المالية في البنوك والمصارف وكل هذه العملية كانت بدعم ومراقبة الدولة لسوقها الاقتصادي بل أنها وفرت الدعم اللازم وتهيئة البنية التحتية القوية التي من شأنها إنجاح العملية الاقتصادية برمتها مع وجود قرارات وتشريعات لحماية الاستثمار وتدفع بالاقتصاد نحو النمو والتطور.
غير أنه لا بد من هذا التطور الهائل أن يظهر من خلاله بعض السلبيات أو الظواهر السلبية التي قد تؤثر على الاستثمار في الدولة. وفعلاً ظهر موضوع الطفرات الكبيرة في ارتفاع بدلات الإيجار للعقارات مما سجلت ارتفاعا في معدلات التضخم مما أثرت على سوق الإمارات بصورة عامة من حيث معدلات النمو الاقتصادي، غير أن للدولة سياستها الاقتصادية الشفافة والناجحة واستطاع قادتها .
ومن خلال مبدأ التدخل والدعم لسوقها الاقتصادي من سن التشريعات اللازمة لاحتواء هذا التضخم والعمل على إعادة التوازن وبشكل متدرج كي لا تؤثر هذه المعالجة سلباً على المشاريع والنشاطات الاقتصادية التي وضعت حساباتها أثناء فترة التضخم، لذلك فكانت المعالجة شاملة لكافة أنشطة السوق وبدأت كل إمارة بسن تشريع خاص لتحديد نسبة الزيادة السنوية في بدلات الإيجار والظروف أو الشروط التي يجب أن تتوفر لغرض فرض هذه الزيادة المحددة بنسبة معينة، فكانت البداية لإمارة أبوظبي من خلال سن قانون خاص لتحديد نسب الزيادة في بدلات الإيجار ثم تبعها عدد من إمارات الدولة .
وكان آخرها المرسوم الصادر عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بشأن تحديد نسبة زيادة بدلات الإيجارات بما لا يتجاوز 7% من قيمة العقد السنوي وكان هذا المرسوم هو الثاني الذي يصدر من إمارة دبي خلال السنتين الأخيرتين والتي كانت السباقة في التنبه لهذا التضخم ومعالجته، فكان المرسوم الأول الذي حدد نسبة الزيادة في الإيجار على ألا تتجاوز 15% أما المرسوم الثاني.
والذي اعتمد مبدأ التدرج في احتواء التضخم في بدلات الإيجارات منذ خفض نسبة الزيادة في بدلات الإيجار على أن لا تشمل حالات الزيادة المتتالية أو الزيادة في السنة الأولى للعقد، ومعنى ذلك أن دبي تتجه إلى تقليص معدلات التضخم من خلال معالجة شفافة متدرجة لامتصاص هذا التضخم في هذا المجال وبما لا يؤثر سلباً على السوق بكل أنواع أنشطته الاقتصادية.
تكون الدولة هنا الدولة أو السلطة المختصة قد تدخلت تدخلاً ايجابياً في احتواء ظاهره سلبية لحماية اقتصادها ولتوفير المناخ المناسب لدعم عمليات الاستثمار ـ وجذب المستثمرين إلى الدولة، فيكون لقرارات الدولة الأثر الفعال في نجاح اقتصادها متى ما كان تدخلها في الوقت المناسب ووفق رؤية واضحة وسياسة حكيمة.
كاتب إماراتي
rashid.shabib@bsa.ae