الخروج بجثة صدام حسين من المشنقة في الساعة السادسة صباحا من أول أيام عيد الأضحى المبارك الموافق 30/12/2006 ألقى بظلال مشؤومة ليس فقط على العراق ولكن على كل المسلمين في الدول العربية والإسلامية.

اختيار يوم احتفال العرب والمسلمين بعيدهم الأضحى لإتمام عملية الإعدام لم تكن عشوائية، بل هي مدروسة ومقصودة أريد من ورائها إيذاء مشاعر المسلمين السنة داخل العراق وخارجه، ولتوصيل رسالة واضحة للسنة من قبل قيادات الاحتلال ملخصها أن روح صدام المسلم السني قدمت قربانا للمسلمين الشيعة الذين احتفلوا.

كما أشيع، في اليوم التالي للإعدام. ولم يكن موعد عملية الإعدام والطريقة التي تمت بها، والهتافات الطائفية العنصرية المقيتة التي رافقت عملية الإعدام، بمسألة عشوائية وتلقائية، بل كانت مدروسة ومقصودة لتأجيج العداء الطائفي وإذكاء نار الفتنة والعنف، ليس فقط على مستوى العراق ولكن على مستوى العالم العربي والإسلامي.

ولنا فقط أن نتصور نوع وحجم المذبحة التي كانت ممكن أن تحدث في مكة المكرمة، وملايين الحجيج من سنة وشيعة يطوفون ببيت الله الحرام، لو نجح البعض في استغلال الحدث وإذكاء شرارة نار الفتنة في تلك المنطقة.

صدام حسين كان دكتاتورا وطاغية ويستحق العقاب على ما قام به من جرائم، لا خلاف على ذلك، ولكن تطبيق الحكم بهذا الشكل المخالف للمعايير القانونية والإنسانية هو فضيحة بكل المعايير و إساءة غير مغتفرة للعدالة والقوانين الدولية وكل مواثيق حقوق الإنسان، إذا كان هناك لا تزال بقية من اعتبار لهذه القوانين.

إن تطبيق الحكم، كما بثته الفضائيات، له دلالات وإفرازات مخيفة، ليس فقط على العراق ولكن على كل الوطن العربي ككل، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى التدهور القيمي والأخلاقي الذي وصلت إليه الحالة في العراق وحال القائمين عليه من متخذي القرار.

لم أر إعداما بأم عيني ولم أعرف طرق تنفيذه إلا من خلال الروايات التي كنت أقرأها ومن بعض الأفلام العربية التي عرفنا من خلالها اسم «عشماوي» الذي يصادر الأرواح ومطبق حكم الإعدام، ولكن عشماوي الأفلام العربية كان متحضرا في أداء مهمته ومطبقا للشريعة، إذ كان هناك احترام للمذنب الذي سوف يطبق عليه الإعدام.

وفي كل الحالات كان هناك عالم دين متواجد بجانب الشخص المنفذ به الحكم حتى يقرأ معه الشهادة ويسأله حاجته الأخيرة بناء على تعاليم الشريعة الإسلامية، لكن ما شاهدته في حالة إعدام صدام حسين كان خارجا عن كل الأطر الحضارية والقيم الدينية والإنسانية، فأي ملة هذه التي تشرع الرقص على جثة الميت! وأي تقليد عراقي هذا الذي يسمح بهذه الممارسة كما أدعي السيد موفق الربيعي! أو ليس العراقيون سنة أو شيعة أو مسيحيين، هم أهل كتاب، ومثل هذه الممارسات محرمة في كل الأديان السماوية وغير السماوية؟

صدام حسين مجرم وعلى يده قتل آلاف من العراقيين الأبرياء من شيعة وسنة وكرد، مسيحيين وصابئة وتركمان، لم يستثن أحد منهم، ومثلما كان هناك معارضون شيعة وأكراد لحكمه كان هناك أيضا معارضون من السنة وباقي الطوائف الأخرى التي تسكن العراق. لكن الحكومة الحالية كما هو واضح وجلي، سواء من خلال إدارتها للقضايا السياسية والاجتماعية.

او من خلال المذابح الطائفية التي نسمع عنها كل يوم، أو من خلال ما شاهدناه من حيثيات محاكمة صدام أو حيثيات تنفيذ الحكم، لا تظهر إلا كحكومة عنصرية وطائفية، وأثبتت بجدارة وامتياز، ليس فقط عجزها وتهاونها في قيادة العراق إلى وضع أفضل ومعالجة خراب حقبة صدام وخراب الاحتلال الغاشم، ولكن أيضا تهادنها مع جهات خارجية تعمل ليس فقط ضد مصلحة العراق ولكن ضد مصلحة الوطن العربي الأكبر. حكومة بكل الشواهد مسؤولة عن حقن العداء الطائفي بين الشيعة والسنة منذ اللحظة الأولى.

ان المتابع لحيثيات محاكمة صدام لن يصل إلا إلى نتيجة واحدة، ألا وهي إن عملية المحاكمة من بدايتها وحتى موعد تنفيذ حكم الإعدام هي عملية انتقام من الدرجة الأولى وليس مقصودا منها تحقيق العدالة. فكل شيء متعلق بمحاكمة صدام كان موضع شك وتساؤل، ليس من قبل العراقيين فقط.

ولكن من قبل العالم ككل، فهناك شك وتساؤل حول مصداقية وعدالة المحكمة، وهناك شك دائر حول مصداقية الشهود، المنتقين بعناية من قبل الحكومة العراقية ومصداقية شهاداتهم التي كان معظمها، خاصة في الفترة الأخيرة، عبارة عن انطباعات شخصية وليست شهادات عين.

والأهم من ذلك كان هناك شك وتساؤل حول مدى مصداقية القضاء في زمن الاحتلال، والفوضى القانونية التي يعيشها العراق، فالقاضي الأول كان كرديا، وكان، كما بدا للمطالع لاحداث المحاكمة، شخصا نزيها إلى حد ما وبدرجة أكبر بكثير من لاحقه، وقد استقال بسبب تدخل الحكومة المستمر في المحاكمة وحيثياتها. القاضي الثاني الذي حل محله أيضا كردي وله العديد من الشكاوى والتظلمات على صدام إبان حكمه، فكان واضحا أنه جاء إلى المحكمة محملا بالضغائن ضد من يحاكمه، ومن الطبيعي أن لا يكون عادلا معه لأنه محكوم بضغائنه.

ثلاثة من محامي الدفاع عن صدام قتلوا بدم بارد ولم يتم التحقيق أو يعنى بتتبع حقيقة قتلهم وملابساتها، والباقون من طاقم الدفاع عنه أضربوا احتجاجا على عدم توفير الحماية اللازمة لهم.

وبذلك تحقق ما كانت ما تتمناه الحكومة العميلة وقوى الاحتلال الغاشم، وأسرعت المحكمة بناء على هذه الأحداث إلى تعيين مجموعة من المحامين الذين يفتقدون للخبرة في القوانين الدولية، مما أدى إلى سير المحاكمة بشكل غير مقنع وغير موضوعي، وإلى تحقيق قرار الإعدام بدون أدنى مساءلة أو معارضة حول مدى صحة الشهادات التي قدمت من قبل الشهود المنتقين من قبل الحكومة، أو مدى مصداقية العملية ككل.

من جانب آخر لم يكن هناك شيء محتم ومؤكد في كل حيثيات المحاكمة والإعدام إلا نقطة واحدة، وهي أن محاكمة صدام وإعدامه، كما ذكرت آنفا، كانت عملية انتقام وليست تحقيق لعدالة. فبدلا من أن تعمل عملية محاكمته وإعدامه على المصالحة والتوافق الوطني وبداية صفحة وطنية عراقية جديدة قائمة على العدالة .

وعلى خلق عراق لكل العراقيين، أدى هذا الفعل القائم على الانتقام إلى إعطاء الفرصة لصدام لإظهار نفسه ولآخر مرة على أنه بطل المقاومة العربية السنية، وأصبح مرة أخرى مصدرا لتهييج العنف الطائفي، ليس فقط في العراق بل حيثما يوجد سنة وشيعة.

العراق اليوم في حالة استنفار، وتخوف من أشكال الانتقام التي قد تحدث على أيدي العصابات والمجرمين المصابين بعمى وصمم الطائفية البغيضة، والذين تدعم الحكومة وقوى الاحتلال قطاعا كبيرا منهم ، وإعدام صدام شنقا، ما هو إلا حدث آخر لتشجيع استمرار حمام الدم العراقي واستباحة حق العراقيين في الحياة.

جامعة الامارات