كانت المسافة بين خراسان وعاصمة الخلافة الأموية دمشق شاسعة، إلا أن بذور القضاء على دولة بني أمية كانت تزرع هناك خلال الربع الأول من العقد الثالث من القرن الثاني للهجرة. وكان ثمة غلام يبدو أنه مولى فارسي اختُلف في نسبه وأصله وحقيقة اسمه الذي قيل إنه إبراهيم ويكنّى أبا إسحاق.
أدخله إبراهيم الإمام بن محمد بن علي العباسي أخي السفاح والمنصور في خدمته لما رآه من حسن منطقه وجودة ذهنه، وكنّاه أبا مسلم ثم ندبه للدعوة للعباسيين في خراسان، وأوصاه وصية مشهورة التزم بها. استمر أبو مسلم في دعوته حتى بعد موت الإمام فالتف حوله الفرس والموالي بعد أن أُعجبوا بشخصيته وتبعوه على حداثة سنه.
وكان بين القيسية واليمانية في خراسان خلاف وفرقة، فلما رأوا التفاف الفرس حول أبي مسلم اتفقوا عليه لضرب دعوته في مهدها، وكادوا يفلحون لولا أن ضربهم أبو مسلم ببعضهم البعض مستخدما ذكاءه وحنكته. كان والي خراسان وقتها نصر بن سيار الذي ولاه هشام بن عبد الملك بعد وفاة واليها أسد بن الفرات، وقد عرف عنه الدهاء والشجاعة فغزا بلاد ما وراء النهر وفتح حصونا كثيرة قبل أن يستقر بمرو.
أثار اجتماع الناس حول أبي مسلم الخراساني قلق نصر بن سيار الذي استشعر بفطنته الخطر الداهم على يد الداعية العباسي فكتب إلى آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد أبياتا غدت مضرب المثل يقول فيها:
أرى خللَ الرمادِ وميضَ نارٍ
ويوشكُ أن يكونَ لها ضرامُ
فإنْ لم يطفِها عقلاءُ قومٍ
يكونُ وقودَها جثثٌ وهامُ
فإنّ النارَ بالعودينٍ تُذكى
وإن الحربَ أولُها كلامُ
فقلتُ من التعجبِ ليتَ شعري
أأيقاظٌ أميّةُ أمْ نيامُ
فإن كانوا لحينِهمُ نياماً
فقلْ قوموا فقد حانَ القيامُ
فإن يقظتْ فذاكَ بقاءُ ملكٍ
وإنْ رقدتْ فإني لا أُلامُ
لكن مروان بن محمد كان منشغلا في الشام بالاقتتال بين القيسية واليمانية، فلم يشعر بفداحة الخطر العباسي الذي يهدد دولته انطلاقا من أرض فارس، لذلك كتب إلى واليه المستنجد به يقول:
«إن الحاضر يرى ما لا يراه الغائب، فاحسم هذا الداء الذي ظهر عندك» فما كان من نصر إلا أن قال لأصحابه: «أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده». ويقال أيضا إن نصر بن سيار كتب إلى مروان يخبره بخروج الكرماني عليه وتعاظم أمر أبي مسلم الذي بايعه مئتا ألف رجل من أقطار خراسان قائلا له: «فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك وابعث إليَّ بجنود من قبلك يقوَ بهم ركني وأستعن بهم على محاربة من خالفني». لكنه لم يجد آذانا صاغية حتى إذا أعيت به السبل كتب له محذرا:
يا أيُّها الملكُ الواني بنصرتِهِ
قد آن للأمرِ أن يأتيكَ عن كَثَبِ
أضحتْ خراسانُ قد باضتْ صقورتُها
وفرّخت في نواحيها بلا رَهَبِ
فإنْ يطِرْنَ ولم يُحْتَلْ لهُنَّ بِها
يُلْهِبْنَ نيرانَ حربٍ أيّما لَهَبِ
فلما بلغت الأبيات مروان بن محمد كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله على العراق يأمره أن ينتخب من جنوده اثني عشر ألفا ويوجه بهم إلى نصر بن سيار. لكن يزيد الذي كان مشغولا هو الآخر بمجالدة الخوارج في العراق كتب إلى مروان يقول إن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفاً، ناصحا إياه أن يأخذ من جنود الشام لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية. وهكذا أبطأ الغوث عن نصر بن سيار الذي كتب مرة أخرى إلى مروان قائلا:
مَنْ مُبْلِغٌ عني الإمامَ الذي
قام بأمرٍ بَيِّنٍ ساطعِ
إني نذيرٌ لكَ من دولةٍ
قام بها ذو رحمٍ قاطعِ
والثوبُ إنْ أنْهَجَ فيه البِلى
أعْيا على ذي الحيلةِ الصانعٍ
كنا نداريها فقد مُزِّقَتْ
واتّسع الخرقُ على الراقعِ
لكن خذلان الخليفة لواليه وعدم نجدته له تواصلا، فلما بلغ نصر بن سيار خروج المُسَوِّدة بمئة ألف رجل وكان بينهم الفرسان والحمّارة والرجّالة، وكانوا يسوقون حميرهم بقولهم «هَرّ يا مروان» أي أنهم يصفون مروان بالحمار، فلما بلغه ذلك اشتد حزنه وتعاظم خوفه وقلقه، وقرر أن يبث همه وشجنه إلى العرب مستثيرا نخوتهم، مستدعيا غيرتهم الدينية، مناشدا إياهم أن يستشعروا الخطر المحدق بهم، وأن يكفوا عن الاقتتال فيما بينهم، وأن يجتمعوا على كلمة سواء لوقف هذا المد الذي أصبح يهدد وجودهم، فكتب إليهم:
أبْلِغْ ربيعةَ في مروٍ وإخوتَها
أنْ يغضَبوا قبلَ أنْ لا ينفعَ الغضبُ
ما بالُكم تُلقِحونَ الحربَ بينكمُ
كأنّ أهلَ الحِجَى عن فِعلِكم غَيَبُ
وتتركون عدوًّا قد أظلَّكُمُ
مِمن تأشَّب لا دينٌ ولا حَسَبُ
ليسوا إلى عربٍ منا فنعرِفُهمْ
ولا صميمِ الموالي إن هُمُ نُسِبوا
قوماً يدينون ديناً ما سمعتُ بهِ
عن الرسولِ ولا جاءتْ بهِ الكُتُبُ
فمن يَكُنْ سائلي عن أصلِ دينِهمُ
فإنَّ دينَهمُ أنْ تُقتَل العربُ
استمر تجاهل بني أمية وولاتهم لنداءات نصر وتحذيراته منشغلين بمعاركهم الداخلية ولم يعيروه انتباها، فصبر على تدبير الأمور، لكن إمكاناته قصرت عن الوقوف في وجه الدعوة العباسية ومدها الذي كان طاغيا.
وأخيرا غلبه أبو مسلم الخراساني على خراسان واضطره إلى الخروج من مرو سنة 130هجرية (737م) وتوجه إلى نيسابور، فأرسل أبو مسلم في أثره قحطبة بن شبيب، فانتقل نصر بن سيار إلى قومس، وأخذ يتنقل من بلد إلى بلد ينتظر النجدة من الخليفة بالشام أو ابن هبيرة بواسط إلى أن مرض في مفازة بين الري وهمزان ومات بساوة.
هذا ما كان من أمر نصر بن سيار، أما أبو مسلم الخراساني فقد واصل زحفه ووثب على الكرماني والي نيسابور فقتله واستولى عليها، ثم سيّر جيشا لمقاتلة مروان بن محمد فهزمه وفر مروان إلى مصر ليُقتَل في أبو صير وتنتهي الدولة الأموية الأولى سنة 132هجرية.
يقولون إن التاريخ لا يعيد نفسه، ونقول إن هذا صحيح إذا ما ربطنا التاريخ بالشخوص والأفراد، لكن التاريخ كثيرا ما يعيد نفسه إذا ما ربطناه بالأحداث. ترى ما الذي كان سيحدث لو أن مروان بن محمد أخذ تحذير نصر بن سيار على محمل الجد واستشعر الخطر الذي كان يحدق بدولته من خراسان رغم بعد المسافة؟
هل كان وميض نار أبي مسلم الخراساني سيتحول إلى ذلك الحريق الهائل الذي قضى على الأخضر واليابس وأزال دولة بني أمية الأولى من على ظهر البسيطة أم أنه سينطفئ ويُقضَى على الدعوة في مهدها ؟
لا نريد أن نفتح باب الأسئلة بقدر ما نريد أن نأخذ العظة والعبرة من أحداث التاريخ التي تتشابه حتى لو لم يُعِدِ التاريخ نفسه. ففي محيطنا العربي والإسلامي اليوم ثمة نيران تجاوزت مرحلة الوميض واشتد أوارها لتتحول إلى حرائق مدمرة، أين منها حريق أبي مسلم الخراساني الذي أنهى حقبة تاريخية وبدأ حقبة؟ وفي محيطنا العربي والإسلامي وحوله من يذكي نيران الفتن من كل نوع ويصب عليها الزيت ليخلط كل الأوراق ويغير وجه الزمان والمكان كي يبدأ حقبة تاريخية حالكة السواد.
مخطئ من يعتقد أن ما يحدث لنا هذه الأيام إنما يحدث بمحض الصدفة. وغافل من لا تقضّ مضجعه كل هذه الأحداث التي تجري وفق نهج تصاعدي مخطط له ومدروس، لا يغادر صغيرة أو كبيرة إلا وظفها لخدمة أهدافه ومراميه. لا نريد لنيران أبي مسلم القرن الحادي والعشرين أن تلتهمنا فنغرق في نهر الأحزان الذي غرق فيه نصر بن سيار قبل ثلاثة عشر قرنا.
علينا أن نجدد أثوابنا قبل أن ينهج فيها البلى فتعيا على ذي الحيلة الصانع، لأننا إن لم نفعل ذلك وداريناها تمزقت واتسع الخرق على الراقع فندمنا حيث لات ساعة مندم كما قالت العرب قديما.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com