الوضع الفلسطيني الهش، يأخذ انعطافة جديدة تزيد من هشاشته. وكأن تعقيداته وهمومه وأزمته المتعددة الجوانب، لا تكفيه. فبدلاً من أن يضطلع بشيء يضعه على طريق الانفراج؛ فإذا به يواصل إصراره على الإمعان في التأزيم. وبدلاً من أن يأتي بما يخفف من حدة الأزمة السياسية الخانقة التي طالت معاناته معها؛ فإذا هو يفاقمها بإضافة بعد أمني جديد لها. كانت المشكلة بوجود رأسين، في هرم الحكم؛ صارت، بالإضافة إلى ذلك، بوجود أمنين أيضاً.

تطور من شأنه صب المزيد من الزيت على نار الأزمة. فأن يكون لكل فريق فلسطيني موقفه من القضايا المطروحة وإشكالياتها ومعالجاتها، أمر مفهوم، لكن أن يكون له مؤسسته الأمنية الخاصة به والتابعة له بالحصر؛ أمر ليس فقط غير مفهوم، بل هو وصفة لدفع الساحة نحو خطر المواجهة الميدانية القاتل؟

الرئيس الفلسطيني، محمود عباس يتخذ قراراً يصنف بموجبه «القوة التنفيذية» التابعة لوزارة الداخلية والمؤلفة من عناصر من «حماس»، على أنها قوة «خارجة على القانون»؛ ولغاية أن يصار إلى دمجها بالأجهزة الأمنية الرسمية. على الفور ردت «حماس» بقرار، لا ينفي فقط هذه الصفة عن القوة التنفيذية؛ بل أيضاً يعلن زيادة عناصرها من 5500 إلى 12000؛ ابتداء من الأسبوع القادم.

وعلى جاري العادة، أعقب القرارين جولة تراشق حول عدم شرعية هذه الخطوة أو تلك؛ في هذا الخصوص. الرئيس عمل على تبرير قراره بـ «حالة الفلتان الأمني المستشري» وما أدى إليه من «جرائم الاغتيال». من جهتها الحكومة سارعت إلى إدانة قرار الرئيس «المتعجل»؛ محذرة بأنها سترد «بقوة وحزم على أي مساس بأفراد القوة التنفيذية».

للأسف يبدو أن الانقسام يتعمق والفرز يترسخ. بل يبدو أن هناك عملية محاصصة أو خصخصة تأخذ مجراها. كل طرف ـ فتح وحماس ـ له مرجعيته السياسية وذراعه الأمنية الخاصة به. هل ان الأمور تسير باتجاه طلاق أمني يلحق بالطلاق السياسي بينهما؟ كيف يمكن أن تستقيم المحاصصة الأمنية مع الحديث عن الوحدة الوطنية؟ أم أن هذه الأخيرة باتت مجرد عبارة روتينية؛ يجري تردادها من باب التغني بها، فيما تسير الممارسات في اتجاه آخر؟

الحالة الفلسطينية شطحت أكثر مما تحتمل. الشطط يدفع بقطارها إلى الخروج المتمادي والخطير عن سكته. وخطوة أمس، بما تنطوي عليه من احتمال حصول انفصال أمني لو تواصل التحدي والتصعيد بين الفريقين، هي مؤشر يحمل طابع الإنذار من شر مستطير؛ إذا لم يتم تداركها وقطع الطريق على استكمالها وتحولها إلى أمر واقع.

فهي أتت في سياق صراع محتدم، شهد محطات ساخنة ومحتدمة بين «فتح» و«حماس»؛ أدت إلى زيادة التباعد وانحسار القواسم المشتركة بينهما.

وهي بذلك ـ الخطوات حول القوة التنفيذية ـ لم تكن مجرد رد فعل، من هذا الطرف أو ذاك، بمقدار ما كانت بمثابة تطور متفجر جاء على خلفية تراكمات انتهت به، من باب تحصيل الحاصل. من هنا نبع هذا التأزيم الذي يحمل في طياته مخاطر مدمرة. ومن هنا تنبع المعالجة، وعملية تطويقه من العودة إلى الخلافات السياسية للتوافق حولها وإلا فهي محكومة بالتحول إلى قنبلة أمنية شديدة الانفجار.