مثلما تراجع الرئيس الفلسطيني عن تهديده في صيف العام الماضي بإجراء استفتاء عام لمعرفة رأي الشعب الفلسطيني في أزمة ازدواجية السلطة ووثيقة الأسرى يبدو انه في خضم الأزمة سيتراجع عن تهديده بإجراء انتخابات مبكرة.
فالواقع على الأرض غياب خيارات الرئيس أبو مازن. في المرة الأولى التقطت حماس طرف الخيط وأطالت أمد الأزمة بإعلانها مواصلة الحوار حول وثيقة الأسرى وحكومة الوحدة إلى أن تمت بلورة اتفاق حول وثيقة الأسرى ثم دخل الجميع في حوارات متتالية حول تشكيل حكومة وحدة وطنية،
ثم تفاقم الوضع على الأرض بالعدوان الإسرائيلي على غزة حتى الساعة وزاده زخماً الاقتتال الداخلي في غزة الذي بات يغطي على العدوان الإسرائيلي، وعندما أعلن أبو مازن عن نيته اللجوء إلى انتخابات مبكرة عارضت حماس ذلك بقوة وهددت بمنع ذلك بكل السبل وتصاعد الموقف الداخلي لدرجة أن الاشتباكات باتت يومية بين عناصر حماس وعناصر فتح،
وتتهم فتح حركة حماس بالتصعيد العسكري لمنع إجراء انتخابات مبكرة والحيلولة دون إطلاق مسيرة تفاوضية مع الإسرائيليين. وقد استهل العام الجديد بتصعيد أشد استخدمت فيه حماس أسلحة متفوقة على فتح وعلى أجهزة السلطة من مدافع الهاون وقاذفات ال«آر بي جي» وتمكنت من تصفية عدد من كبار قادة فتح والأمن الوقائي في هجمات منسقة بدا وكأنها هجمات استئصالية معدة سلفاً وكأنها تسير وفق مخطط لتدمير أجهزة فتح وقادتها.
وفي مقابل ذلك تحركت فتح في الضفة لمنع أي تحرك لحركة حماس نحو المواجهة وتعرض عدد كبير من نشطاء حماس إلى تهديدات علنية بإطلاق النار على منازلهم وسياراتهم لتحذيرهم من مغبة نقل المعركة إلى الضفة التي ما زالت تشهد هدوءاً معقولاً وما زالت الأجهزة الأمنية الرسمية مسيطرة فيها رغم أن قوات الاحتلال نجحت في تصفية العشرات من نشطاء فتح إما بالاغتيال أو الاعتقال.
الرئيس الفلسطيني كان يأمل في أن فتح ثغرة سياسية سيتيح له انفراجاً داخلياً وقد يدفع حماس إلى الموافقة على تشكيل حكومة وحدة لفك الحصار لكن الإسرائيليين لم يقدموا له شيئاً فقد وعدوه بإطلاق سراح أسرى قبل العيد والإفراج عن أموال لكن هذا لم يتم حتى الآن باستثناء تحويل جزء من أموال الضرائب إلى مستشفيات عربية في القدس تعالج مرضى تحولهم السلطة إليها بدلاً من إرسالهم إلى الخارج،
وحتى المساعي العربية خاصة المصرية لانجاز صفقة تبادل الأسرى فشلت وحمّل المصريون حماس مسؤولية الفشل بعد قمة مبارك ـ أولمرت في شرم الشيخ، إذ يبدو أن ثمة توجهاً لدى حركة حماس بربط قضية هذا الأسير مع الأسيرين الموجودين لدى حزب الله وهذا يعني أن الأزمة ستطول
وليس ثمة أي انفراج فالتهدئة التي تم التوصل إليها انتهت عملياً مع استمرار عمليات الاحتلال في الضفة واستمرار سقوط الصواريخ انطلاقاً من غزة نحو المستوطنات الإسرائيلية. ولعل المنحى الذي اتخذه الاقتتال في غزة من حيث العنف والوحشية هو الذي يضيف بُعداً مرعباً على الصراع الداخلي، لأنه بدأ يطال قادة أمنيين
وأفراد عائلاتهم نساءً وأطفالاً كما حدث مع عائلة العقيد بعلوشة التي ذهب ضحيتها ثلاثة أطفال وعائلة العقيد محمد غريب الذي اغتيل واقتحم بيته بعد قصفه بقذائف ال«آر بي جي» وأصيب كل أفراد عائلته ومن هب من المدنيين ليستنكر الهجوم برصاص قوات حماس.
المأزق الفلسطيني يتعمق بقوة وقد يساهم اللقاء الذي عقد في غزة بين أبو مازن ورئيس الوزراء إسماعيل هنية في تهدئة الوضع لأيام فقط لأن أسباب الأزمة ما زالت قائمة وهي في الأساس أزمة سياسية، أزمة ازدواجية السلطة وعدم حسمها، أزمة تشكيل حكومة وحدة،
فاللقاء بين أبو مازن وهنية والذي جاء بعد انقطاع لشهرين لن يضيف شيئاً جديداً لأن ما اتفقا عليه سبق وأن اتفقا عليه قبل أسابيع وهو سحب المسلحين من الشوارع وتشكيل لجنة تحقيق والاستمرار في الحوار لتشكيل حكومة وحدة، ولم ينتج عن ذلك أي شيء بل تفاقم الوضع أكثر.
فالوضع الفلسطيني لم يعد تحت سيطرة الأطراف الفلسطينية، ثمة مؤثرات خارجية دولية وإقليمية لها مصالحها فيه وتتلاعب فيه وفق هذه المصالح. وقد اتضح ذلك بعد إعدام صدام حسين حيث لم تجرؤ السلطة على اتخاذ موقف حازم تفادياً لعدم إزعاج بعض الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة،
أما حماس فاكتفت ببيان باهت هي الأخرى حتى لا تغضب إيران وحزب الله. والسؤال الآن: هل سيجرؤ الرئيس الفلسطيني على الاستمرار فيما قرر مسبقاً في الدعوة لانتخابات مبكرة أم أن حماس بعروض القوة في غزة نجحت في تحييد قرارات عباس؟